أثار تداول مقاطع فيديو لتصريف مؤسسات حكومية عراقية مخلفات في مجرى نهر دجلة غضباً عارماً، خصوصاً أن التلوث البيئي يهدد النهر منذ سنوات.
وتزامن ذلك مع إعلان مرصد" العراق الأخضر" المتخصص في الشأن البيئي، أن بكتيريا القولون الهوائية الموجودة في مصادر المياه الملوثة تخلف الإصابة بنحو 13 مرضاً.
ويقول الخبير البيئي أحمد حسن لـ" العربي الجديد"، إن" أضرار المخلفات السائلة التي تُطرح في مجرى النهر لا تقتصر على تغيير لون المياه أو رائحتها، بل تمتد إلى ضرب كل النظام البيئي، فهذه المخلفات تحتوي غالباً على مواد عضوية وكيميائية تخفض نسبة الأكسجين الذائب في المياه، وهو العنصر الأساس الذي تعتمد عليه الكائنات الحيّة المائية للبقاء.
وانخفاض مستويات الأكسجين يؤدي تدريجياً إلى نفوق أسماك وكائنات دقيقة تمثل أساس السلسلة الغذائية داخل النهر".
ويشير حسن إلى أن" النباتات المائية التي تعد مأوى طبيعياً لكثير من الأسماك والكائنات الحيّة، تصبح أكثر عرضة للاندثار مع استمرار التلوث، بينما تفقد أنواع عدة من الأسماك بيئاتها المناسبة للتكاثر والنمو، ما يهدد التنوع الحيوي الذي عرف به دجلة منذ مئات السنين.
والمشكلة لا تتوقف عند حدود المياه، بل تمتد إلى ضفاف النهر والتربة المحيطة به، إذ تتراكم الملوثات في الرواسب، وتصبح مصدراً دائماً للتلوث حتى بعد توقف عمليات التصريف".
بدوره، يؤكد الخبير البيئي صالح الشمري، أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحوّل هذه الملوثات إلى جزء من الحياة اليومية، والمتخصصين البيئيين لم يتوقفوا خلال السنوات الماضية عن إطلاق التحذيرات، والمشاركة في عشرات الندوات وورش العمل، ورفع التوصيات وكتابة التقارير والتحدث عبر وسائل الإعلام عن المخاطر المتزايدة التي تهدد دجلة، لكن الاستجابة ظلت أقل بكثير من حجم المشكلة.
ويقول الشمري لـ" العربي الجديد": " ينعكس التلوث المستمر لمياه نهر دجلة مباشرة على الصحة العامة، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل أو بآخر على المياه القريبة من النهر أو تتعرض لها في شكل متكرر.
الروائح المنبعثة من بعض المخلفات تؤثر أيضاً على جودة الهواء في المناطق القريبة من مجرى النهر، ما ينعكس على راحة السكان وصحتهم النفسية، ويؤدي إلى تراجع جاذبية الأماكن العامة التي اعتادت العائلات ارتيادها.
الأضرار الاقتصادية لا تقل خطورة عن الأضرار الصحية، فالتلوث يؤثر على الصيادين وأصحاب المشاريع الصغيرة المرتبطة بالنهر، ويضعف القيمة الجمالية والسياحية للمناطق المحيطة به".
وتبدو آثار التلوث أكثر وضوحاً في شهادات المواطنين.
يقول علي حسين (58 سنة) لـ" العربي الجديد"، إنه اعتاد السباحة في نهر دجلة منذ طفولته، وكان يقضي ساعات طويلة في مياهه خلال فصل الصيف، لكن الأمر تغيّر تماماً خلال السنوات الأخيرة، ويضيف: " تركت السباحة في النهر قبل خمس سنوات، لأن المياه لم تعد كما كانت، وأصبحت أشعر بوجود طعم غريب فيها، ورائحة مختلفة لم أعرفها في السابق، وأصيب أشخاص أعرفهم بمشكلات جلدية بعد السباحة".
ويشير عمر فاضل (26 سنة) إلى أن" دجلة ليس مجرد مجرى مائي، فالنهر يقسّم بغداد إلى الكرخ والرصافة، ويحضر في الأغاني والقصائد والذكريات.
عندما نرى التلوث يزحف إليه نشعر كأن جزءاً من تاريخ العراق يتعرض لأذى.
الغضب الذي نراه اليوم على مواقع التواصل ليس بسبب حادثة عابرة، بل لأن الناس يشعرون بأن رمزاً من رموز البلاد يتعرض للإهمال".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك