أثارت مذكرة التفاهم المعلنة أخيراً، وباتت تعرف باسم مذكرة إسلام أباد، بين الولايات المتحدة وإيران، نقاشاً واسعاً حول طبيعة التحولات المحتملة في العلاقات بين البلدين، وانعكاساتها على أمن منطقة الخليج والشرق الأوسط، واستقرارها.
فبعد سنوات من التصعيد المتبادل، والعقوبات الاقتصادية، وحروب الظل، وصولاً إلى الحرب أخيراً، التي كادت تحرق المنطقة، ومعها اقتصاد العالم، يبدو أن الطرفين في طريقهما نحو تبنّي صيغة مؤقتة لإدارة الصراع، وتجنّب الانتحار.
وعليه، لا تكمن أهمية المذكرة في بنودها التقنية المتعلقة بالبرنامج النووي، أو بالعقوبات، كما يبدو من قراءة أولى لها، بل في ما تعكسه من تغيرات أعمق في البيئة الاستراتيجية التي تحكم العلاقة بين واشنطن وطهران.
لطالما نظرت الولايات المتحدة إلى إيران القوة الإقليمية الأكثر قدرة وإصراراً على تحدّي النظام الإقليمي الذي نشأ في الخليج والمشرق العربي بعد انتهاء الحرب الباردة.
وفي المقابل، نظرت إيران إلى الوجود الأميركي في الخليج والعراق وأفغانستان تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ولذلك، لم يكن الخلاف بين الطرفين مجرّد خلاف حول الملف النووي، أو برنامج إيران الصاروخي، بل صراعاً بشأن طبيعة النظام الإقليمي، وتوازن القوى داخله، وموقع إيران فيه.
من هذا المنظور، تمثل مذكرة اسلام أباد اعترافاً متبادلاً بحدود ما تستطيع القوة تحقيقه.
فالولايات المتحدة اكتشفت في العقدين الماضيين أن احتواء إيران أو تغيير سلوكها بالقوة أمر بالغ التكلفة.
أما إيران، فقد أدركت أن استمرار المواجهة المفتوحة مع واشنطن يفرض أثماناً اقتصادية وسياسية تهدّد استقرارها الداخلي، وقدرتها على الحفاظ على نفوذها الإقليمي.
ولذلك تعكس المذكرة انتقال الطرفين من منطق المواجهة إلى منطق إدارة الصراع.
لكن العوامل البنيوية التي دفعت الطرفين إلى الحرب لا تزال قائمة.
فالولايات المتحدة ما زالت تسعى لمنع ظهور قوة مهيمنة في الخليج والشرق الأوسط، وإيران ما زالت ترى أن أمنها لا يمكن ضمانه من داخل حدودها فقط، بل بالتمدّد في جوارها العربي الهش، خصوصاً.
بناء عليه، لم يتغير جوهر الصراع، بل آليات التعامل معه.
وفي الواقع، تكشف المذكرة عن حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة المعضلة الإيرانية نفسها.
فإيران دولة تمتلك مقوّمات قوة كبيرة: مساحة واسعة، عدد سكان كبير، موارد طاقة هائلة، وهوية وطنية متماسكة نسبياً.
لكنها في الوقت نفسه تعاني من شعور مزمن بانعدام الأمن نابع من موقعها الجغرافي، وتاريخ طويل مع التدخلات الخارجية، ونظرتها إلى نفسها وريثة لواحدة من أقدم الإمبراطوريات في تاريخ المنطقة.
هذه المعادلة تجعل من الصعب على أي نظام سياسي في طهران أن يتبنّى سياسة انعزالية أو يكتفي بالدفاع عن حدوده الحالية.
ولهذا أي تفاهم أميركي – إيراني لا يمكن أن ينجح على المدى الطويل إذا اقتصر على الملف النووي.
فالمشكلة الأساسية ليست في تخصيب اليورانيوم، بل في غياب إطار أمن إقليمي قادر على استيعاب إيران وإعادة توجيه مصادر قوتها من المجال الجيوسياسي إلى المجال الجيو ــ اقتصادي.
هذا ما فعلته أوروبا مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما نقلت التنافس من المجال العسكري إلى المجالين، الاقتصادي والمؤسّساتي.
ولهذا، يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم خطوة ممكنة نحو إدارة أكثر استقراراً للصراع، لكنها ليست حلاً نهائياً له.
فالتفاهمات الثنائية تستطيع تخفيف التوتر مؤقتاً، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع إيران إلى البحث عن النفوذ الإقليمي، ولا المخاوف التي تدفع جيرانها إلى مقاومتها.
وبهذا لا يعود السؤال الحقيقي ما إذا كانت المذكرة، والاتفاق الذي قد ينتج منها، ستصمد خلال الأشهر المقبلة، بل ما إذا كانت ستقود إلى حوار إقليمي أوسع تشارك فيه الدول العربية في الخليج والمشرق، إضافة الى تركيا، حول مستقبل النظام الإقليمي.
فإذا بقيت المذكرة مجرّد اتفاق محدود لإدارة الأزمة النووية، فإنها ستكون هدنة مؤقتة سرعان ما تتهاوى تحت ضغط التنافس الجيوسياسي.
أما إذا تحوّلت إلى مدخل لبناء نظام إقليمي جديد يوازن بين مصالح إيران ومصالح جيرانها، فقد تشكل بداية مرحلة مختلفة في تاريخ المنطقة.
حتى الآن، تبدو المؤشّرات أقرب إلى الاحتمال الأول.
ولذلك تمثّل مذكّرة التفاهم، في جوهرها، محاولة لتنظيم الصراع أكثر مما تمثل محاولة لإنهائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك