كان مناسباً أن يعطي الرئيس السوري أحمد الشرع حواراً تلفزيونياً لا يتخذ طابع الرد على دونالد ترامب، ولكنه في الواقع لم يكن سوى رد عليه، وإن أخبرنا خلال الحلقة التلفزيونية (على قناة المشهد) أننا أسأنا فهم الرئيس الأميركي مع أن كثراً منا يفقهون الإنكليزية أو يتدبرون أمرهم معها على الأقل ويفكّون حرفها، ويعرفون تماماً ما المرادف بالعربية لعبارة I’m planning to Let Syria Handle Hezbollah، أو Syria would do a 'better job' of 'taking care of Hezbollah.
كرّر ترامب لمرات سبع أو ثمانٍ في غضون أيام أنه ينوي تكليف سورية ورئيسها بمقاتلة حزب الله، لأن إسرائيل تفشل في المهمة وفق حساباته، وتسليم سورية الملف اللبناني ربما على غرار تسليمها إياه بعد اتفاق الطائف عام 1989، وما بين هذه الأيام السبعة أو الثمانية تمسّك الشرع بالموقف نفسه: الأمر ليس وارداً بالنسبة إلى القيادة السورية، وقد خطا خطوة إضافية، ولو كان ذلك رداً على إلحاح محاوره مساء الأحد، عندما قال، ربما في مجاملة دبلوماسية تفرضها عليه مكانته الرسمية، إنه مستعد لإجراء حوار مع حزب الله إن كان هذا يخدم المصلحتين السورية واللبنانية.
وقبل حوار الشرع ليل الأحد، كانت مواقفه الرافضة بشكل قاطع التدخل عسكرياً في لبنان محلّ ملاحظة لدى نعيم قاسم نفسه الذي تمنعه أخلاقه أو طهران أو كلاهما من توجيه كلمة حقّ تفتح باباً لمصالحة يوماً ما لا بين حزب الله ومعظم السوريين، بل بين لبنانيين شيعة يتحدث حزب الله باسمهم عنوة وبقوة الأمر الواقع وغالبية سورية سنية معتبرة.
ولرفْض الشرع التجاوب مع ضغوط ترامب، التي لا ندري إن تجاوزت التصريحات والتغريدات إلى حيّز الضغط المباشر والإغراءات بالدعم العسكري والتمويل في اتصالات ولقاءات مع القيادة السورية، أسبابه الموجبة التي ذكر منها الرئيس السوري الأسبوع الماضي إحياء شبح الوجود (اقرأ الاحتلال) السوري في لبنان (1976 – 2005) وتفجير حساسيات طائفية في البلدين، مع أنه يسهل معرفة أنّ في غرف القيادة السورية وحولها جماعات سلفية طائفية تتمنّى أن يتجاوب الشرع مع أمنيات ترامب، وأن يوجّه جيشه الذي لا يزال مجموعة فصائل مسلحة ومليشيات إلى لبنان، لكي تصفّي حساباً حديثاً مع حزب الله عمره من عمر الثورة السورية وحربها الأهلية، وإكمال معركة بدأت قبل 1400 عام.
لكنّ الرئيس السوري يدرك ما الذي يعنيه سيناريو كابوسي كهذا على لبنان وعلى سورية والمنطقة، ويعرف تماماً أن الانتحار سيكون مصطلحاً قاصراً عن وصف مأساوية التورّط في خيار مماثل، حتى وإن عُزِّزَت قواته المسلحة أميركياً.
والحال أن هذه الاعتبارات الطائفية استهان بها حزب الله حين أرسلته إيران إلى سورية ليقاتل دفاعاً عن نظامها وضد غالبية شعبها.
أو أن حزباً دينياً (لا طائفياً فحسب) مثله يعتاش على شدّ العصب الطائفي، وخصوصاً عندما يكون هذا تنفيذاً لقرار سامٍ من طهران، وتحديداً أكثر عندما يكون واثقاً من أن فرضه الغلبة المذهبية في سورية لن ينعكس مباشرة على الجماعة التي تنتمي إلى المذهب نفسه في لبنان نتيجة لما تعرضت له تلك الفئة من اضطهاد منذ اغتيال رفيق الحريري.
لافت أنّ أقلام حزب الله وأبواقه في لبنان لم تتمتع بالشهامة الكافية للتوقف عند معنى الرفض المطلق من جميع أعداء الحزب ومعارضيه لتحريض ترامب القيادة السورية على التدخل العسكري في لبنان ضد الحزب الذي قدّم" أربعة آلاف شهيد لبناني من أجل إيران" و" قاتل 104 أيام من أجل إيران" على ما أخبرنا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في حوار تلفزيوني في 19 يونيو/ حزيران الحالي.
وإن عنى هذا شيئاً، فإنه يعني، مجدّداً، أن الانقسام الأساسي في لبنان سياسي لا طائفي، ضد حزب الله لا ضد اللبنانيين الشيعة، وأن أعداء حزب الله وخصومه الجذريين لا يريدون التخلص من سلاح يتحرك بقرار إيراني، حتى يقعوا مجدّداً في حرب أهلية تفجرها دولة ستكون سورية مثلما يرغب ترامب، تعود لتحكم البلد على أنقاض تولّد أنقاضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك