في الإسلام لكل أمر مقصده؛ ولنظام الحكم في الإسلام مقاصد وغايات وليس أشكالا وتسميات.
والغاية الأولى من نظام الخلافة هي حراسة الدين وسياسة الدنيا ورعاية المصالح العامة بالعدل والإحسان دون تمييز بين أفراد الرعية على أي أساس من عرق أو دين أو جهة أو لغة.
والخليفة أو السلطان أو الأمير أو الحاكم.
أو أي اسم آخر هو – في عقيدة المسلمين – نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رعاية الدين وفي حمل الناس على الخير.
فهو قائم مقامه بدين كامل وبنعمة تامة؛ مستخلفا عنه بعقد اجتماعي رضائي لاستكمال مهمته في نشر دعوة الله وإقامة العدل في الأرض وإدارة شؤون الدولة على قاعدة الشورى.
ونظام الحكم في الإسلام مدني بمعنى: أن الحكم لله طاعة وتسليما.
أما التحكيم فجهد بشري معزز برضائية من يسوسهم الحاكم الذي يتم نصبه بعقد رضائي يسمى بلسان السياسة الشرعية “البيعة” التي هي تفويض سياسي تمنحه الأمة لمن تعتقد أنه أفضل موجود فيها وأقواهم وأصلحهم وأقدرهم على إمضاء ما بينه وبينهم من عقد معنوي مستند إلى دستور حازه الحاكم بانتخاب عام بتوافق أو بأغلبية أو بإجماع، وبشهادة منهم أنه ذو علم وأمانة وقوة وحفظ وكفاية.
ولا تزكي أمة حاكمها إلا إذا توفر فيه شرطان لازمان:الأول: القدرة على إمضاء العدل في جميع الأحوال، ويتمثل ذلك عمليا في رعاية الحقوق والواجبات.
والثاني: إرادة نشر الدعوة وتطبيق شرع الله.
ومن تعريف ابن خلدون (رحمه الله) للخلافة ندرك أنها تكليف عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به؛ وهو ما أصّله أبو حامد الغزالي (رحمه الله) في أساسين بقوله: ” الإسلام أساس والسلطان حارس؛ وما لا أساس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع” (١).
فالخليفة في الإسلام خادم الرعية بعقد بيعة ألزم بها نفسه، وهو مسؤول أمام الله عما استرعي فيه أحفظ أم ضيع؟ ومحاسب أمام رعيته إذا مال أو خالف عن أمر الله.
فمن حق الأمة تقويمه أو عزله إذا ثبت ظلمه أو ظهر جوره أو أخل بشروط البيعة؛ وهي الضوابط التي أرساها الخليفتان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب (ضي الله عنهما) وأوضحاها في خطبتي التولية.
هذه هي معالم نظام الخلافة الراشدة في جوهرها وفي مقاصدها، وهي النموذج الأول الذي نشر العدل في الناس زهاء أربعين عاما بين سنوات 11 للهجرة و 40 منها، ثم تحولت صورتها إلى نظام وراثي ولكنها ظلت محافظة على الحد الأدنى من الشريعة، ولم يستورد أي حاكم – خلال ١٣ قرنا دستورا من خارج أرض الإسلام.
ولم يعلن أي خليفة أنه مستغن عن الكتاب والسنة حتى في أحرج اللحظات التي مر بها العالم الإسلامي زمن التتر والمغول والحروب الصليبية ومراحل الضعف والانحدار.
فصورة الخلافة ظلت قائمة على نظام الخلافة حتى تلاشت عام ١٩٢٤ ميلادية على يدي مصطفى كمال أتاتورك حيث تم تقويض أسسها واستبدال نظامها المتهالك بنماذج وافدة نقلها من عصر الانحطاط السياسي إلى بداية الهيمنة على العالم الإسلامي تحت شعار: تمدين نظام الحكم وعصرنة أدواته وإلحاق الأمة الإسلامية بالغرب.
بقراءة كرونولوجية لمسار الخلافة (الحكم والإمارة) خلال ١٣ قرنا يمكننا تسجيل ثلاث ملاحظات جوهرية تصلح أن تكون مرتكزات للحديث عن نظام سياسي شرعي عابر للزمن.
الأولى: أن صورتها ليست واحدة حتى بين الخلفاء الأربعة؛ فخلافة أبي بكر لم تكن نسخة طبق الأصل من دولة المدينة المنورة التي ورثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يتوسد الفاروق عمر خطوات سلفه.
وما كانت خلافة عثمان استنساخا لعهد عمر.
وما طابقت إمامة على خلافة عثمان حذو النعل بالنعل.
فالأصل واحد ولكن التفاصيل مختلفة لأن طبيعة الحكم مقاصدية وليست أشكالا نمطية.
وظروف الناس ليست واحدة.
والثانية: علم الصحابة والتابعين وفقهاء الأمة أن المستخلف عن النبي ليس نبيا؛ وهو ما يعني أن النبوة أصل في الدعوة والدولة معا؛ أما نظام الاستخلاف فتفربع عنه.
وليس الأصل المؤيد بالوحي كالفرع المسدّد بالشورى والرأي وتقدير المصلحة.
وثالثتها: طريق الخلافة رضائي يتم بالبيعة أو بالانتخاب (أو بأي وسيلة ترضى عنها الرعية)، والغاية من نصب الخليفة هي حماية أمته من التشتت، وضمان العدل فيهم بتحقيق الأمنين معا: إطعاما من جوع وأمانا من خوف.
بهذه الضوابط تصبح الخلافة – في نموذجها الأعلى – مؤسسة روحية الجوهر ذات طابع مدني تستمد قوتها من اعتقاد الرعية أن خليفتهم امتداد لميراث النبوة باعتبارها نظاما شاملا لرعاية الدين وسياسة الدنيا به وفق مقتضيات الشريعة؛ ولذلك يعتقد المسلمون أن شرعية قيامها؛ أو إعادة بعثها واستمرارها فيهم هو واجبهم جميعا؛ وفي مقدمتهم العلماء والمفكرون والمصلحون.
فإعادة بعثها ممكن بطريقة تراكمية ممتدة في الزمن؛ أولها الاقتصاد وآخرها السياسة.
وأقصد بالتراكمية التدرج في بناء نموذج – أو حتى عدة نماذج – يأمن فيها الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
ومعتقداتهم من منطلق أن العدل حيادي يتعامل مع الناس بما يظهرونه من أقوال وافعال ولا يتدخل أبدا في ما يعتقدونه.
وهو ما نصت عليه “صحيفة المدينة”.
ومع أن الزمن تغير كثيرا إلا أن معالم الحق والعدل والحرية لا تتغير.
ولن تتغير.
في هذا السياق يجب التذكير بأربعة قواعد لا يمكن إزالتها من العقل كونها مثلت المرتكزات الأساسية التي قامت عليها الخلافة الأولى ومازالت تمتلك من القوة والمتانة والاستقامة ما يؤهلها لرفد “دولة العدل” بقطع النظر عن تسميتها وعن تسمية من سيكون على رأسها لأنه لا مشاحة في المصطلح، فخطاب الله لداود عليه السلام حدد الغاية من خلافة الأرض بواجب الحكم بالعدل:
”﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾” سورة ص: ٢٦،المَعلم الأول: أن الإسلام لم يحدد شكل الخلافة.
ولم يفرضه.
واكتفى بوضع معالمها الكبرى ومقاصدها العليا وترك تفاصيلها لكل جيل.
فلما رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة على هيئة “جمعية تأسيسية” وتشاوروا فاختاروا أبا بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان مما فتح به عليه في خطبة التولية أنه لم يعدهم بتجسيد نموذج دولة الرسول وإنما التزم بإنفاذ العدل فيهم دون اعتبار لقوة القوي الظالم ولا لضعف المستضعف المظلوم.
والمَعلم الثاني: أن الإسلام لم يحدد الآليات الشرعية لنقل السلطة من رسول إلى خليفة إلى خليفة خليفة إلى إمام إلى “حاكم بأمر الله”.
وإنما بيّن حدودها الشرعية وقيمتها الأخلاقية وغاياتها الخدمية في رعاية الدين وسياسة الدنيا والحكم بين الناس بالعدل في دائرة الشورى ورضى الأمة عمن يتم انتخابه حاكما للمسلمين بالطرق التي تتحقق بها الغايات والمقاصد وتتقلص بها الأنانيات والمفاسد بالحق والعدل والأمن وحفظ النفس والدين والعقل والعرض والمال والحريات.
والمَعلم الثالث: أن نموذجها الأول مدوّن في كتب السياسة الشرعية، ويحفظ منه تاريخ البشرية ثلاث منارات كبرى: الخلافة الأموية.
والخلافة العباسية.
والخلافة العثمانية (إلى جانب ممالك كثيرة نمت في أصقاع الأرض غلب عليها جميعا شكل الإمامة) والتحري الدقيق يفضي إلى أنها أفضل من جميع الأنظمة الوضعية التي قامت في الأرض كلها من زمن نمرود والفراعنة إلى حكم الفرس والروم إلى ما آل إليه الأمر خلال تاريخ ما سمي بالحروب الصليبية وما صار عليه النظام العالمي بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
والمَعلم الرابع: أن الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها مازالت تعتقد أن في العودة إلى الحكم الإسلامي العادل عودة إلى عز الأمة ووحدتها وقوتها واستئنافها لرسالتها التي تبددت بميلاد الدول الوطنية ففرقت الأمة إلى سبعة وخمسين إمارة.
والمَعلم الخامس: أن قوة هذا الطرح تعززه أشواق الأمة إلى معانقة تاريخها المجيد وإعادة بناء نموذج يجمعها على طاعة الله وعلى الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم بتزكية حاكم يذكرها بأمجادها بوم كانت خير أمة أخرجت للناس.
إذا استبانت سبيل نظام الحكم فليس مهما تسمية هذا النظام السياسي القائم بالخلافة أو بالحكومة المدنية أو بالنظام العادل أو حتى بدولة الحق والقانون والحكم الراشد.
فالمهم أن تكون المقاصد هي نفسها المقاصد التي أرادها الله جل جلاله لهذه الأمة ووضع رسوله صلى الله عليه وسلم أسسها الأولى واستكملت الأنظمة المتعاقبة دستورها ودواوينها ومؤسساتها وجندها وعلاقاتها الخارجية، وكانت تختار على رأسها رجلا من أفضل ما تجود به أقدار الله لكل مرحلة على أسس رضائية وليس تسليما بأنه “ظل الله” في الأرض ولا هو وصي الرسول ولا حفيده أو هو بقية من آل بيته.
بل هو حاكم من بين أفراد الأمة يستمد سلطته ممن زكوه وقدموه ليرعى شؤونهم بالاعتماد على شريعة الإسلام ومقاصدها الكبرى معتقدا أنه لا يتحقق واجب مرضاة الله إلا بالاجتهاد في إمضاء شريعته في الأرض وإنفاذ أمره ونهيه لتلافي غضبه الذي قرره بقوله: ” ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]”.
فالنموذج التراكمي الذي نتحدث عنه نابع من قناعة الأمة بأن “حكم الله” أسمى من تشريعات البشر.
ولكنه حكم غير مستنسخ من تجارب سابقة.
وليس مستندا على مفاهيم الأنظمة المنغلقة على نفسها باسم الأبوة التاريخية أو باستعلاء سياسي بحكومة الفقيه أو بنظام شمولي ” ثيوقراطي” لا يرى الخير إلا في نفسه وفيمن والاه.
إنما هو إنشاء جديد لنموذج منفتح على العصر ملتزم بالثوابت والمبادئ والغايات.
يستأنس بالقديم ولكنه يعتقد أن لكل زمان رجاله وقضاياه وأساليب إدارة شؤونه، وأن نموذج الحكم الذي كان صالحا لأسلافنا ليس بالضرورة صالحا لنا بقضه وقضيضه؛ فليس كل قديم أصيلا.
ولا كل جديد دخيلا، وقد أدخل الفاروق نظام الحسبة والدواوين وسجلات الشهداء واستصلاح الأراضي.
الخ في إدارة الخلافة ولم يرمه أحد بالبدعة ولا بتقليد الفرس والروم، لأن الغاية شريفة والمقصد نبيل.
جربت بعض الأنظمة استدعاء نظام “الدولة الإسلامية” ففشلت تجاربها وتوالت هزائمها لسبب جوهري لم ينتبه إليه من أخذتهم حماسة التنظير لاستعادة نظام الخلافة الإسلامية باعتقادهم أن الفاصل بينها وبين الأنظمة الوضعية هو تطبيق الشريعة الإسلامية في أضيق أركانها وهو إقامة الحدود؛ ففعلوا ذلك قبل تهيئة النفوس وقبل تقليص دوائر المنكر وسد الضروريات وتوفير بعض الكماليات التي تصان بتوفرها كرامة الإنسان.
فوقعوا في خطأ منهجي قاتل قوّض جهودهم وشوه صورة النموذج الذي أطلقوا عليه ظلما: الدولة الإسلامية.
فقد حملتهم الحماسة فقدموا الفروع على الأصول معتقدين أن الحكم بما أنزل الله هو سكب الخمور في البالوعات وجلد الزناة أو رجمهم وقطع يد السارق وتعزير من يقع في المحظور.
ونسوا أن الوظيفة الأولى للخلافة هي تأمين الرعية وضمان العيش الرغيد لها ونشر الدعوة وإقامة العدل ومنع الظلم ومناهضة القهر ورد العدوان.
وأولوية الحاكم في هذا النظام الإسلامي المنشود هو ضمان وحدة الأمة وتأكيد هويتها الثقافية، ونشر الفضيلة والعدل في الحكم والعزة بالإسلام وحراسة الدولة بالدعوة.
قبل الجلد والرجم والتعزير.
فهو السلطان الحارس للدين والدولة بيقين أن الحكم لله أما التحكيم فتقدير بشري يدور مع المصلحة حيث دارت؛ فالدين أساس والحاكم حارس؛ وما لا أساس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع.
والله من وراء القصد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك