على إمتداد ضفاف فرع رشيد، حيث تتعانق مياه النيل مع ذاكرة مدينة حملت عبر التاريخ أسرار الحضارات وتعاقب العصور، يقف كورنيش رشيد اليوم شاهدًا على مرحلة جديدة من التطوير والتنمية، بعدما تحول إلى أحد أبرز المشروعات الحضارية التى أعادت تشكيل وجه المدينة التاريخية وأعادت إليها جزءًا من بريقها المفقود.
فلم يعد الكورنيش مجرد طريق موازٍ للنيل أو متنزه يطل على المياه الهادئة، بل أصبح مشروعًا متكاملًا يحمل رؤية تنموية واسعة تستهدف استعادة مكانة رشيد كإحدى أهم المدن التراثية والسياحية فى مصر، وذلك فى إطار المشروع القومى لتطوير وتنمية مدينة رشيد الذى يعد من أكبر مشروعات إحياء المدن التاريخية خلال السنوات الأخيرة.
من مدينة تراثية إلى مقصد سياحى متكاملتمتلك رشيد مكانة خاصة فى التاريخ المصرى، فهى المدينة التى شهدت اكتشاف حجر رشيد، المفتاح الذى ساعد العالم على فك رموز اللغة الهيروغليفية، كما تضم عشرات المبانى الأثرية والمساجد التاريخية والمنازل التراثية التى جعلتها ثانى أكبر تجمع للآثار الإسلامية بعد القاهرة.
ورغم هذه الثروة الحضارية الضخمة، ظلت المدينة لسنوات طويلة بعيدة عن الاستغلال السياحى الأمثل، الأمر الذى دفع الدولة إلى إطلاق مشروع قومى شامل لإحياء المدينة وإعادة توظيف مقوماتها التراثية فى خدمة التنمية الاقتصادية والسياحية.
ومن هنا جاء تطوير كورنيش النيل باعتباره أحد أهم عناصر هذا المشروع، نظراً لدوره الحيوى فى الربط بين المناطق الأثرية ومراكز الخدمات والمشروعات الجديدة التى تشهدها المدينة.
كورنيش بطول 6 كيلومترات.
واجهة حضارية جديدةويمتد كورنيش رشيد من منطقة الجدية بالقرب من الطريق الدولى الساحلى وحتى ميناء الصيد الجديد، بطول يصل إلى نحو 6 كيلومترات، ليشكل شريانًا حضاريًا يربط مختلف أجزاء المدينة ويمنحها واجهة نيلية تليق بتاريخها ومكانتها.
وشهد كورنيش رشيد أعمال تطوير شاملة شملت رفع كفاءة الممشى النهرى وتنسيق الموقع العام وتحسين المظهر الجمالى للمنطقة بالكامل، بما وفر متنفسًا حضاريًا لأهالى المدينة ومقصدًا جديدًا للزائرين الباحثين عن الاستمتاع بالطبيعة الخلابة والمشهد النهرى الفريد.
وأصبح الكورنيش اليوم أحد أبرز نقاط الجذب داخل المدينة، خاصة خلال فترات المساء والعطلات، حيث يقصده المواطنون للاستمتاع بالأجواء النيلية الهادئة ومشاهدة حركة المراكب والصيادين على صفحة النهر.
المراسى النيلية.
عودة النيل إلى قلب المشهدولم تقتصر أعمال التطوير على الممشى النهرى فقط، بل شملت أيضًا تطوير عدد من المراسى النيلية التى تمثل جزءًا مهمًا من الحياة اليومية بمدينة رشيد.
وشهدت المنطقة تحديث مرسى الحرية ومرسى المعدية ومرسى دهليز الملك، بما يسهم فى دعم حركة النقل النهرى وتسهيل تنقل المواطنين، إلى جانب تعزيز فرص الاستثمار السياحى المرتبط بالنيل.
كما تفتح هذه المراسى المجال أمام إطلاق رحلات نيلية وبرامج سياحية جديدة تربط بين المعالم التاريخية المنتشرة داخل المدينة، وهو ما يدعم خطة تحويل رشيد إلى مقصد للسياحة الثقافية والتراثية.
" أنشودة رشيد".
ميدان يروى تاريخ مدينةومن أبرز الإضافات التى شهدها مشروع تطوير الكورنيش إنشاء ميدان" أنشودة رشيد" أمام المسجد العباسى التاريخى، ليصبح أحد المعالم الجمالية الجديدة التى تعكس الهوية الثقافية للمدينة.
ويمثل الميدان نقطة التقاء بين التاريخ والحداثة، حيث يجمع بين التصميم الحضارى الحديث والرموز المستوحاة من التراث الرشيدى، كما ساهم فى تحقيق السيولة المرورية وتحسين الصورة البصرية للمنطقة بالكامل.
ويأتى تطوير الكورنيش ضمن مشروع قومى متكامل لتنمية مدينة رشيد بتكلفة تتجاوز مليارات الجنيهات، ويشمل ترميم الآثار الإسلامية والمنازل التراثية، وتطوير الشوارع التاريخية، وإنشاء مرافق خدمية جديدة، إلى جانب تنفيذ مشروعات اقتصادية وسياحية كبرى.
تحويل المنازل الأثرية إلى بيوت ضيافةكما يتضمن المشروع الجديد تحويل عدد من المنازل الأثرية إلى بيوت ضيافة وغرف فندقية ذات طابع تراثى، بما يسمح للزوار بخوض تجربة سياحية مختلفة داخل قلب المدينة التاريخية.
ويتكامل ذلك مع مشروعات أخرى كبرى، فى مقدمتها ميناء الصيد الجديد، ومشروع رشيد الجديدة، وتطوير المناطق الأثرية المحيطة بقلعة قايتباى وأبو مندور وشارع دهليز الملك.
نجح كورنيش رشيد فى أن يصبح أكثر من مجرد مشروع تجميل أو تطوير عمرانى، بل تحول إلى رمز لعودة المدينة التاريخية إلى دائرة الاهتمام والتنمية.
فبين النيل الذى شهد ميلاد الحضارات، والآثار التى تحفظ ذاكرة المكان، والمشروعات الحديثة التى ترسم ملامح المستقبل، يقف الكورنيش اليوم كواحد من أهم إنجازات المشروع القومى لتطوير رشيد، وواجهة حضارية تعكس طموح مدينة تستعيد مكانتها على خريطة السياحة والثقافة فى مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك