تحذّر الحكومة البريطانية مواطنيها وشركاتها من الاستثمار أو إجراء معاملات مالية داخل المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنها تجد نفسها أمام اختبار لصدقية هذا الموقف، بعدما ظهرت مشروعات عقارية في الضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن كتيبات وُزعت في فعالية عقارية إسرائيلية أقيمت في شمال لندن.
وتكشف القضية فجوة بين موقف سياسي يصف المستوطنات بأنها غير قانونية بموجب القانون الدولي، ونظام بريطاني لا يفرض حتى الآن حظراً شاملاً وملزماً على التجارة أو الاستثمار المرتبطين بها.
وفي هذا الصدد، يقول طارق شرورو، مدير منظمة محامون من أجل حقوق الفلسطينيين، في تعليق خاص لـ" العربي الجديد"، إن هذه القضية" المروعة" تكشف وجود فجوات في الإطار القانوني الداخلي البريطاني تحول دون ترتيب مسؤولية قانونية واضحة.
ويضيف أن الإرشادات المحدّثة التي أصدرتها الحكومة البريطانية بشأن الأنشطة الاقتصادية والمالية التي تفيد المستوطنات لا تسد هذه الفجوات، لأنها ليست ملزمة قانونياً.
ويرى شرورو أن فرض حظر تشريعي يتضمن عقوبات مدنية أو جنائية من شأنه أن يترك أثراً رادعاً حاسماً، مؤكداً أن هذا هو المسار الذي ينبغي للحكومة البريطانية أن تصل إليه في نهاية المطاف.
وفي السياق، أقيمت فعالية" العقارات الإسرائيلية الكبرى" في 14 يونيو/حزيران 2026 في كنيس إدجوير المتحد شمال لندن، بوصفها المحطة الأخيرة في جولة دولية شملت نيويورك وتورونتو.
وأظهرت كتيبات وُزعت خلال الحدث مشروعات في مستوطنات معاليه أدوميم وغفعات زئيف وكفار إلداد وتينيه عومريم في الضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى مشروعات في القدس الشرقية، بينها رمات إشكول وغفعات هماتوس، بحسب ما نشرته صحيفة" الغارديان" البريطانية في 17 يونيو.
كما ذكرت" سكاي نيوز" أن مواد ترويجية من الفعالية أشارت أيضاً إلى التلة الفرنسية في القدس الشرقية.
وسبق الفعالية جدل سياسي وحقوقي واسع، بعدما طالب أكثر من مئة سياسي بريطاني ومنظمات مدنية بمنعها، لكن المنظمين نفوا قبل الحدث عرض عقارات خارج الخط الأخضر، ثم قالوا بعده إن ورود أسماء المستوطنات في الكتيب كان" خطأً"، وإن العقارات لم تُروّج شفهياً داخل القاعة.
ولا يلغي هذا التفسير الأسئلة المتعلقة بالمواد التي وصلت إلى الحاضرين، وما إذا كان إدراج تلك المشروعات مجرد خطأ أم جزءاً من عرض تجاري أوسع، خصوصاً أن القضية لم تعد محصورة في سجال إعلامي بعدما دخلت مساراً رقابياً أمام هيئة معايير الإعلان.
وقد حدّثت وزارة الخارجية البريطانية في التاسع من يونيو إرشاداتها الخاصة بالأعمال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقالت إنها" تنصح بشدة" بعدم إجراء أنشطة اقتصادية أو مالية داخل المستوطنات أو أنشطة تفيدها مباشرة.
وتشمل التحذيرات الاستثمارات والمشتريات والمعاملات والخدمات، إلى جانب التنبيه إلى مخاطر النزاع على ملكية الأرض والموارد الطبيعية، واحتمال ارتباط النشاط التجاري بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وتبقى هذه اللغة، رغم وضوحها، إرشادات لإدارة المخاطر، وليست حظراً ملزماً.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية: تستطيع الحكومة التحذير من شراء عقار في مستوطنة، لكنها لا تمنع بالضرورة تسويقه داخل بريطانيا.
وأحالت الحكومة المواد المرتبطة بالفعالية إلى هيئة معايير الإعلان البريطانية، لبحث ما إذا كانت تلتزم بالقواعد المنظمة للإعلانات.
وتحظر هذه القواعد الإعلانات المضللة، بما في ذلك تلك التي تُسقط معلومات جوهرية يمكن أن تؤثر في قرار المستهلك، ومن هذا المنظور لا يبدو موقع العقار تفصيلاً هامشياً؛ فعدم توضيح أنه يقع داخل مستوطنة أقيمت على أرض محتلة قد يحجب عن المشتري معلومة أساسية تتصل بالوضعين القانوني والجغرافي للأرض، وما قد يترتب عليهما من مخاطر تؤثر مباشرة في قرار الشراء.
وقدّم المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين، في 17 يونيو، شكوى رسمية إلى هيئة معايير الإعلان البريطانية، مرفقة بأدلة تتعلق بما وصفه بالترويج والتسويق لعقارات في مستوطنات غير قانونية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، خلال الفعالية التي أقيمت في كنيس إدجوير المتحد في 14 يونيو.
ويرى المركز أن الجمهور، بوصفه مستهلكاً، يحق له الحصول على معلومات دقيقة وكاملة عن العقارات المعروضة، بما في ذلك موقعها ووضعها القانوني والمخاطر المرتبطة بها.
واتخذت القضية بُعداً برلمانياً مباشراً في 16 يونيو، عندما سألت النائبة عن حزب الخضر، إيلي تشاونز، وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، عن كيفية سماح الحكومة بتسويق ما وصفته بعقارات غير قانونية على الأراضي البريطانية.
وردّت كوبر بأن الحكومة أوضحت أنه لا ينبغي لأي شركات الانخراط في تجارة أو تسويق مرتبطين بالمستوطنات غير القانونية، " وبالتأكيد لا ينبغي أن يحدث ذلك على الأراضي البريطانية"، مؤكدة أن وزير شؤون الشرق الأوسط ووزارة الثقافة والإعلام والرياضة أثارا القضية مباشرة مع هيئة معايير الإعلان، وطلبا منها النظر فيها على وجه السرعة.
في السياق، تقول إيزابيل دارماسيري، مسؤولة العلاقات الإعلامية في هيئة معايير الإعلان البريطانية، في رد على" العربي الجديد"، إن الهيئة ستقيّم أي شكاوى تتلقاها بشأن مواد تقع ضمن اختصاصها، لتحديد ما إذا كانت قد خالفت قواعد الإعلان.
وهنا، توضح دارماسيري، أن الهيئة تملك مجموعة من العقوبات، تشمل إلزام المعلنين بسحب الإعلانات المخالفة أو تعديلها، وفرض قيود على إعلاناتهم المستقبلية وإحالة المعلنين غير الممتثلين إلى الجهات الرسمية المختصة عندما ينطوي الأمر أيضاً على مخالفة للقانون.
ومع ذلك، تبقى حدود الهيئة واضحة.
فهي تستطيع فحص دقة الإعلان، من دون أن تحسم وحدها قانونية الصفقة، أو مسؤولية الشركات والوسطاء المشاركين فيها.
وتزامنت القضية مع إعلان بريطانيا، بالتنسيق مع شركاء دوليين، بينهم كندا وفرنسا والنرويج وأستراليا ونيوزيلندا، عقوبات على ست جهات وشخص واحد، بسبب تمويل عنف المستوطنين أو تمكينه أو تنفيذه في الضفة الغربية المحتلة.
وتقول الحكومة البريطانية إن العقوبات تستهدف تعطيل تدفقات التمويل التي سمحت لجماعات مستوطنين متطرفين بالعمل من دون محاسبة.
وتؤكد أن المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأنها تقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
بيد أنّ العقوبات، رغم أهميتها، لا تفرض حظراً عاماً على التجارة أو الاستثمار في المستوطنات.
وتواصل بريطانيا الفصل بين التجارة مع إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967، والنشاط الاقتصادي في المستوطنات، من دون أن تحوّل هذا الفصل إلى منع شامل وملزم.
ولم يبقَ هذا النقاش محصوراً في بيانات المنظمات الحقوقية، بل وجد صداه داخل البرلمان البريطاني، حيث قُدم في مجلس العموم، في 11 يونيو/حزيران 2026، اقتراح برلماني مبكر يدعو الحكومة إلى سن تشريع يحظر التجارة بين المملكة المتحدة والمستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويحث الشركات البريطانية على ضمان عدم ارتباط سلاسل توريدها أو أرباحها بها.
ويرى منتقدو النهج الحالي أن معاقبة بعض الجهات المرتبطة بعنف المستوطنين لا تعالج البنية الاقتصادية التي تسمح للمستوطنات بجذب التمويل والمشترين والخدمات القانونية والتجارية من الخارج.
ولا تتوقف المسؤولية عند الشركة العقارية التي تضع المشروع في الكتيب.
فقد تمر أي صفقة عبر منظمي المعارض والمسوقين والمحامين والمصارف ومقدمي خدمات الدفع والتمويل.
وتُلزم مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال وحقوق الإنسان، الشركات ببذل عناية واجبة لتحديد الآثار الحقوقية المرتبطة بأنشطتها وعلاقاتها التجارية، خصوصاً في مناطق النزاع والاحتلال، لذلك لا تبدو المسألة مجرد إعلان عقاري قابل للتصحيح أو السحب، بل جزءاً من سؤال أوسع حول الدور الذي قد تلعبه الخدمات التجارية والمالية والقانونية في تحويل المستوطنات إلى سوق قابلة للبيع خارج الأراضي المحتلة.
اختبار صدقية موقف بريطانياوتعامل بريطانيا الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، باعتبارها أرضاً محتلة، ولا تعترف بالمستوطنات جزءاً مشروعاً من إسرائيل.
لذلك تتجاوز القضية حدود إعلان عقاري قد يكون مضللاً.
فهي تطرح سؤالاً أوسع حول إمكان استخدام السوق والخدمات القانونية والمالية البريطانية لتسويق أصل عقاري قائم على أرض تعتبرها الحكومة نفسها محتلة وغير خاضعة للسيادة الإسرائيلية.
وتكشف فعالية لندن أن الفصل الذي تحاول الحكومة رسمه بين إسرائيل والمستوطنات يحتاج إلى أدوات تنفيذ، لا إلى تحذيرات سياسية فقط.
وتحدد طريقة تعاملها مع القضية ما إذا كانت إرشاداتها ستبقى مجرد نصائح للمستثمرين، أم ستتحول إلى سياسة تمنع فعلياً الأموال والخدمات البريطانية من دعم سوق المستوطنات.
وقد بلغ عدد المستوطنات والبؤر 542 مع نحو 780 ألف مستوطن في الضفة الغربية المحتلة، مع توسّع متسارع منذ عام 2023، في ظل تصاعد البناء الاستيطاني، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في مايو/أيار 2026.
كما ارتفع عدد البؤر وحدها إلى 363 بينها عشرات شُرعنت بعد 2023، مع تسارع واضح في إنشاء البؤر الاستيطانية بالضفة الغربية، بحسب تقارير فلسطينية وحقوقية في إبريل/نيسان المنصرم.
وأظهرت بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في يونيو/حزيران، مخططات لبناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، ضمن توسّعات مستوطنات قائمة، بما يعكس استمرار سياسة التوسّع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك