يعيش عشاق كرة القدم في الصين خيبة أمل جديدة بعد فشل المنتخب الوطني في التأهل إلى كأس العالم، رغم توسيع البطولة إلى 48 منتخبًا للمرة الأولى في تاريخها، ورفع عدد المقاعد المخصصة لقارة آسيا إلى تسعة مقاعد كاملة.
ويبدو الإحباط أكبر هذه المرة، خاصة أن الصين اكتفت بمشاركة وحيدة في نهائيات كأس العالم عام 2002، خرجت خلالها من دور المجموعات دون تسجيل أي هدف، بينما واصلت منتخبات آسيوية أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية حضورها المنتظم على الساحة العالمية، وانضمت إليها منتخبات صاعدة مثل الأردن وأوزبكستان.
وتثير هذه النتائج تساؤلات واسعة حول أسباب تعثر كرة القدم الصينية، رغم الشعبية الجارفة التي تحظى بها اللعبة داخل البلاد، وامتلاك الصين واحدا من أكثر الدوريات المحلية حضورًا للجماهير.
كما أن منتخب السيدات الصيني يعد من أبرز المنتخبات الآسيوية، وشارك في معظم نسخ كأس العالم للسيدات منذ انطلاق البطولة.
وترى صحيفة" فورين بوليسي" أن الأزمة لا ترتبط بنقص المواهب أو ضعف الاهتمام الجماهيري، بل بمشكلات هيكلية مزمنة تشمل الضغوط التعليمية على الأطفال، وضعف برامج تطوير الناشئين، إلى جانب انتشار الفساد داخل المنظومة الرياضية.
وتحظى كرة القدم باهتمام خاص من الرئيس الصيني شي جين بينج، المعروف بشغفه باللعبة.
ففي عام 2011، وقبل توليه الرئاسة، أعلن ثلاثة أحلام لكرة القدم الصينية: التأهل إلى كأس العالم، واستضافة البطولة، ثم الفوز بها.
لكن بعد أكثر من 15 عامًا، لم تقترب الصين من تحقيق أي من هذه الأهداف، رغم استثمارات بمليارات الدولارات، وحملات متكررة لمكافحة الفساد، وخطط حكومية تهدف إلى تحويل البلاد إلى" قوة كروية عالمية" بحلول عام 2050.
دوري غني.
وبيئة فقيرة للتطورويرى خبراء أن أحد أبرز التحديات يتمثل في طبيعة الدوري الصيني نفسه.
فعلى الرغم من قدرته المالية الكبيرة، فإنه لا يوفر البيئة التنافسية الكافية لتطوير اللاعبين، ما يدفع كثيرًا من المواهب إلى البقاء داخل البلاد بدلًا من خوض تجارب احترافية في الخارج.
ولا يضم المنتخب الصيني الحالي أي لاعب ينشط في نادٍ أجنبي، في مؤشر يعكس محدودية الاحتكاك بالمستويات العالمية.
وفي المقابل، تعتمد منتخبات كبرى على لاعبين يخوضون تجارب احترافية متنوعة في أقوى الدوريات الدولية.
كما يعاني اللاعبون المحليون من أزمات متكررة تشمل انهيار بعض الأندية، وتأخر الرواتب، وضعف الإدارة، واتهامات متكررة تتعلق بالرشاوى والفساد الرياضي.
الأموال الضخمة العدو الأكبرويجمع كثير من المراقبين على أن الفساد يمثل العقبة الأبرز أمام تطور اللعبة في الصين.
ففي مطلع العام الجاري، أعلنت السلطات الصينية فرض عقوبات واسعة على خلفية قضايا التلاعب بنتائج المباريات والرشاوى، شملت 73 لاعبًا ومسؤولًا رياضيًا، بينما يقضي عدد من المسؤولين أحكامًا بالسجن، من بينهم المدرب السابق للمنتخب الوطني لي تي.
وتشير تقارير إلى أن العديد من المسؤولين الذين تمت معاقبتهم كانوا قد صعدوا إلى مواقعهم بعد موجات سابقة من التحقيقات والاعتقالات، ما يعكس فشل الإصلاحات المتعاقبة في القضاء على الظاهرة بشكل نهائي.
ويرى محللون أن تدفق الأموال الضخمة إلى القطاع الرياضي نتيجة الاهتمام الحكومي الكبير خلق بيئة خصبة للفساد، في ظل ضعف آليات الرقابة والمساءلة.
لماذا نجحت كوريا الجنوبية؟ويستشهد خبراء بتجربة كوريا الجنوبية قبل كأس العالم 2002، عندما منحت المدرب الهولندي جوس هيدينك صلاحيات كاملة لإدارة المنتخب بعيدا عن التدخلات الإدارية والسياسية، ما ساهم في قيادة الفريق إلى إنجاز تاريخي بوصوله إلى الدور نصف النهائي.
أما في الصين، فيواجه المدربون الأجانب الذين تم التعاقد معهم على مدار السنوات الماضية شبكة معقدة من البيروقراطية والتدخلات الإدارية، ما يحد من قدرتهم على تنفيذ رؤيتهم الفنية بشكل مستقل.
وفي ظل الإخفاقات المتكررة، بدأ كثير من المشجعين الصينيين يعلقون آمالهم على الدوريات الشعبية والبطولات المحلية التي انتشرت في القرى خلال السنوات الأخيرة، التي شهدت إقبالًا جماهيريًا واسعًا.
ويعتقد البعض أن هذه المبادرات قد تساعد على اكتشاف مواهب جديدة وسط أكثر من 1.
4 مليار نسمة، بعيدًا عن القيود التقليدية للمنظومة الرياضية الرسمية.
لكن متابعين يحذرون من أن أي نجاح تحققه هذه التجارب الشعبية قد ينتهي بالوقوع تحت سيطرة المؤسسات الرياضية التقليدية نفسها، لتعود المشكلات القديمة التي أعاقت تطور كرة القدم الصينية لعقود طويلة.
وبين الطموحات الكبيرة والاستثمارات الضخمة، لا تزال الصين تبحث عن الوصفة التي تحول شعبيتها الكروية الهائلة إلى نجاح حقيقي على المستطيل الأخضر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك