في وقت كانت الأنظار تتجه إلى مآلات التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، يحرص لبنان على تأكيد استقلالية مساره التفاوضي مع إسرائيل، مع الجولة الخامسة من المحادثات المباشرة بين الجانبين في واشنطن، في خطوة تعكس إصراراً لبنانياً مدعوماً أميركياً وعربياً وأوروبياً على إبقاء الملف اللبناني خارج حسابات التجاذب الإقليمي.
مساران سياسي وأمني في واشنطن، إنطلقا باجتماعات تتواصل اليوم وغداً، موزعة بين جلسات سياسية وأخرى عسكرية، يتركز البحث فيها على آليات تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، مستفيدين من المناخ الذي أوجدته التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، كما من الآلية الأميركية ـ اللبنانية ـ الإيرانية التي ستتولى مراقبة تطبيق وقف إطلاق النار وتعالج خروقاته.
والأولويات اللبنانية على طاولة التفاوض، واضحة ولم تتغير وهي تثبيت وقف النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة النازحين، وإطلاق الأسرى، مع التركيز على وضع ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ تتيح الإنتقال من مرحلة التهدئة إلى مرحلة الإنسحاب.
وتمحورت النقاشات في اليوم الأول حول" المناطق التجريبية" في الجنوب، وهي صيغة يُفترض أن تختبر آليات التنفيذ الميداني لاتفاق وقف النار والإنسحاب التدريجي.
ووفق معلومات دبلوماسية، فإن الإدارة الأميركية تضغط على الوفدين اللبناني والإسرائيلي من أجل التوصل إلى إعلان نوايا يحدد الترتيبات والخطوات السياسية والأمنية المقبلة.
وبالتوازي، تحدث إعلام إسرائيلي عن توجّه نحو تنفيذ انسحابات إسرائيلية من بعض النقاط في جنوب لبنان، وعن قرار لبنيامين نتنياهو بمنح اقتراح واشنطن بالنسبة للمناطق التجريبية، فرصةً لكي تشكل مجالاً لتحقيق انسحابٍ تدريجي في مرحلة مقبلة.
ولم تغب تطورات الميدان عن المشهد الجنوبي، وقد واكبت الإعتداءات الإسرائيلية مفاوضات واشنطن، ما أعاد التذكير بهشاشة وقف إطلاق النار.
دبلوماسياً، عرض رئيس الجمهورية جوزف عون في اتصال هو الثاني من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال أسبوع، الدعم الأميركي لمواقف عون والحكومة في توجهاتهما لبسط سلطة الدولة الشرعية وتعزيز سيادتها الوطنية على كامل أراضيها بواسطة جيشها وقواها الأمنية وحدها.
وفي موقف لافت، أكد فانس أن الحوار الأميركي مع إيران لا يهدف إلى منحها أي دور في رسم مستقبل لبنان، وأوضح أن الإتصالات مع طهران تقتصر على دفعها للضغط على" حزب الله" من أجل الإلتزام بتعهداته، مؤكداً استمرار الدعم الأميركي لمؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها.
وعرض عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، مستقبل الجنوب بعد وقف النار، إضافة إلى مرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوات" اليونيفيل" المقررة مطلع عام 2027.
وأبلغ ماكرون الرئيس عون أنه سيجري مشاورات مع عدد من الدول الأوروبية بشأن إمكان الإبقاء على حضور دولي في الجنوب بصيغة جديدة، في ظل المخاوف من الفراغ الذي قد يخلّفه انسحاب القوات الأممية.
من جهته، وبعد تلقيه اتصالاً من ماكرون، وجد الرئيس نبيه بري أن" اتفاق تشرين الثاني 2024 يشكل فرصة جاهزة لتثبيت وقف إطلاق النار إذا اعتمد في مفاوضات سويسرا".
كما أكد أن" أولوية المرحلة تبقى تثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني".
كما شملت الإتصالات الفرنسية رئيس الحكومة نواف سلام، فيما شدد السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو خلال لقائه قائد الجيش العماد رودولف هيكل على ضرورة مواصلة دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الركيزة الأساسية للإستقرار.
ومن عمّان، حيث شارك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية، شدد وزير الخارجية يوسف رجي خلال لقاءات أوروبية وعربية، على ضرورة تحصين المسار التفاوضي اللبناني من أي ربط بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.
وأكد رجي أن لبنان يجب أن يكون طرفاً في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بمستقبل المنطقة، لا مجرد ملف يُناقش في غيابه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك