إسطنبول / قاآن أولو، مجاهد أنس سوينج/ الأناضول** غوكهان قليج أصلان، كبير مسؤولي إدارة" خان الجوخ":- المبنى التاريخي ظل لسنوات طويلة يمثل القلب الرئيسي لصناعة وتجارة الذهب- السنوات الأخيرة شهدت توسعا واضحا في عمليات البيع المباشر للزبائن داخل الخان- يتم تصدير جزء من منتجات الخان إلى الخارج** قايا دكرمنجي، أحد الحرفيين العاملين داخل الخان:- المهنة تواجه تحديات نتيجة التحول التكنولوجي المتسارع الذي يشهده قطاع الذهب- عدد المتخصصين بالمهنة تراجع بصورة كبيرة مقارنة بالماضي وسط ضعف إقبال على تعلمهايواصل" خان الجوخ" (جوخه جي خان) أحد الخانات التاريخية في قلب المنطقة القديمة بمدينة إسطنبول، الحفاظ على مكانته كأحد أبرز المراكز التقليدية لصناعة وتجارة المجوهرات في تركيا، جامعا بين إرث يمتد لنحو ثلاثة قرون ودور اقتصادي مستمر في أهم القطاعات الحرفية والصناعية في البلاد.
وفي الحلقة الرابعة من الملف الخاص الذي تعده وكالة الأناضول بعنوان" أسواق وخانات إسطنبول"، يتناول التقرير تاريخ" خان الجوخ"، الذي ظل على مدى قرون مركزا للتجارة والحرف التقليدية، قبل أن يتحول تدريجيا إلى أحد أهم مراكز صناعة الذهب والمجوهرات في المدينة.
يقع الخان قرب جامع نور عثمانية في المنطقة التاريخية من إسطنبول، وقد شُيد في القرن الثامن عشر بأمر من الوزير العثماني نوشهرلي داماد إبراهيم باشا، بينما يضم اليوم مئات الورش والمتاجر المرتبطة بقطاع المجوهرات وصناعة الذهب.
ويحتضن المبنى التاريخي حاليا 287 منشأة تجارية، تشكل محال الذهب والمجوهرات النسبة الأكبر منها، إلى جانب مكاتب صرافة وورش تقدم خدمات مساندة لعمليات التصنيع المرتبطة بهذا القطاع.
ورغم أن الخان تأسس في الأصل ليكون مركزا لتجار" الجوخ"، وهو نوع من الأقمشة الصوفية التقليدية التي كانت تستخدم تاريخيا في الملابس الفاخرة وبعض الصناعات الحرفية في العهد العثماني، فإنه تحول مع مرور الزمن إلى أحد أهم المراكز المرتبطة بصناعة الذهب في إسطنبول.
وفي حديث للأناضول، قال غوكهان قليج أصلان، كبير مسؤولي إدارة" خان الجوخ"، إن المبنى ظل لسنوات طويلة يمثل القلب الرئيسي لصناعة وتجارة الذهب في المدينة.
وأوضح أن الخان كان حتى تسعينات القرن الماضي المركز الأساسي لعمليات الإنتاج وتجارة الجملة في قطاع المجوهرات، قبل انتقال عدد كبير من الحرفيين وأصحاب الورش إلى مناطق صناعية حديثة مثل مدينة الصاغة في إسطنبول Kuyumcukent، وهو مجمع ضخم متخصص بصناعة الذهب والمجوهرات.
وأضاف أن الخان ما يزال يحتفظ بقيمته التاريخية ومكانته الخاصة في تاريخ قطاع المجوهرات التركي، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها الصناعة خلال العقود الأخيرة.
وأشار إلى أن أعمال الترميم التي خضع لها المبنى خلال السنوات الماضية أسهمت في زيادة أعداد الزوار، كما ساعدت على تغيير طبيعة النشاط التجاري داخله.
وعن النشاط التجاري داخل الخان، قال قليج أصلان إنه كان يتركز تاريخيا على تجارة الجملة والإنتاج الحرفي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توسعا واضحا في عمليات البيع المباشر للزبائن.
وأضاف أن نحو 80 بالمئة من المتاجر الواقعة في الطابق الأرضي تحولت تدريجيا إلى متاجر تجزئة تستقبل الزبائن مباشرة، بعدما كان النشاط سابقا يقتصر بدرجة كبيرة على التجار وأصحاب الطلبيات الكبيرة.
وذكر أن السياح الأجانب يبدون اهتماما ملحوظا بالمجوهرات المصنوعة من الذهب عيار 14، في حين يفضل المستهلكون الأتراك عادة شراء منتجات الذهب عيار 22، وهو ما يعكس اختلاف أنماط الطلب بين السوق المحلية والزوار القادمين من الخارج.
وأشار إلى أن نحو 80 بالمئة من المنشآت العاملة داخل الخان تنتمي إلى قطاع الذهب والمجوهرات، بينما تشغل شركات الصرافة النسبة المتبقية.
وبيّن أن الطابق العلوي يضم ورشا في مراحل التصنيع الدقيقة، مثل عمليات التلميع والتثبيت اليدوي للأحجار الكريمة، وهي مراحل حرفية تحتاج إلى مهارات تقنية عالية وخبرة طويلة، يعمل بها عشرات الحرفيين المتخصصين.
ورغم استمرار النشاط التجاري، لفت قليج أصلان إلى مشكلة متزايدة تتمثل في تراجع عدد المتدربين الشباب الراغبين في دخول المهنة.
وقال إن قطاع المجوهرات كان في الماضي يعتمد بصورة كبيرة على نظام التدرج المهني التقليدي، حيث يبدأ الشبان العمل كمتدربين قبل التحول تدريجيا إلى حرفيين محترفين.
إلا أن هذا النموذج أصبح يواجه صعوبات متزايدة في السنوات الأخيرة، كما هو الحال في عدد كبير من المهن الحرفية التقليدية، وفق المتحدث.
وفي إطار حديثه عن النشاط التجاري، أكد قليج أصلان أن المنتجات المصنعة داخل الخان لا تقتصر على السوق المحلية، بل يتم تصدير جزء منها إلى الخارج.
وأوضح أن ألمانيا والولايات المتحدة من أبرز الأسواق المستقبلة لمنتجات الخان، مشيرا إلى تنامي عمليات البيع عبر الإنترنت إلى جانب أنشطة التصدير التقليدية التي تعود، وفق تقديراته، إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
ووصف" خان الجوخ" بأنه يشكل مدرسة حقيقية لتعليم المهنة، قائلا: " المكان يمثل مؤسسة تعليمية اجتماعية لا يتعلم فيها المتدربون فقط تقنيات المهنة، بل قيم الاحترام والانضباط وأخلاقيات العمل".
وأشار إلى أن تلك القيم" شكلت تاريخيا جزءا أساسيا من الثقافة التجارية العثمانية المعروفة باسم نظام الآخية، الذي كان ينظم العلاقات المهنية والحرفية داخل الأسواق التقليدية".
ولفت إلى أن الثقافة المهنية هذه دفعت كثيرين لإطلاق وصف" جامعة التجار" على الخان، نظرا لدوره التربوي والاجتماعي على مدى عقود طويلة.
من جانبه، قال قايا دكرمنجي، أحد الحرفيين المتخصصين في تثبيت الأحجار الكريمة داخل الخان، إنه يعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، مؤكدا أن هذا النوع من الحرف الدقيقة يتطلب تدريبا مبكرا وصبرا ومهارات عالية تتطور مع الوقت.
وأوضح في حديث للأناضول، أن المهنة تواجه تحديات واضحة في الوقت الراهن نتيجة التحول التكنولوجي المتسارع الذي يشهده القطاع، حيث أصبحت كثير من العمليات التي كانت تنفذ يدويا تعتمد اليوم على أنظمة رقمية وتقنيات إنتاج حديثة.
وذكر أن عدد الحرفيين المتخصصين في هذه المهنة تراجع بصورة كبيرة مقارنة بالماضي، موضحا أن الخان كان يضم سابقا نحو 700 متجر، كان يعمل في نحو نصفها، حرفيون متخصصون في تثبيت الأحجار والزخارف الدقيقة على المجوهرات.
وأشار إلى أن تقاعد عدد كبير من الحرفيين القدامى، مقابل ضعف إقبال الأجيال الجديدة على تعلم المهنة، أدى إلى تقلص أعداد العاملين فيها، لافتا إلى أن عدد المتخصصين في هذا المجال على مستوى إسطنبول أصبح محدودا للغاية مقارنة بالعقود السابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك