دفعت شركات التطوير العقاري في مصر خلال السنوات الأخيرة نحو نموذج تسويقي غير مسبوق، مزج بين عالم السينما الفاخرة وسوق العقارات، في محاولة للإجابة عن سؤال حاسم: كيف تبيع مشروعاً بمليارات الجنيهات في سوق مزدحمة؟وأعادت صياغة قواعد المنافسة، فلم يعد الموقع أو التصميم أو خطط السداد وحدها كافية، بل دخل عنصر جديد إلى المعادلة.
" قوة التأثير".
وسعت شركات العقارات المصرية أدواتها التسويقية، وانتقلت من الاعتماد على الإعلانات المحلية إلى الاستثمار في" سمعة جاهزة" تستوردها عبر نجوم عالميين، في ظل احتدام المنافسة وتضخم المعروض، خاصة في مشروعات الساحل الشمالي والعاصمة الجديدة.
خطط الشركات استهدفت كسر التشابه بين الحملات الإعلانية، وتحويل الإعلان إلى حدث عالمي قادر على جذب الانتباه فيما يشبه" الصدمة"، بدلاً من مجرد عرض تقليدي لوحدات سكنية.
وعولت الشركات على ما يوفره النجم العالمي من ثقة فورية لدى الجمهور، خصوصاً المستثمر الأجنبي، الذي يميل إلى ربط العلامات غير المألوفة بأسماء يعرفها ويتابعها، بما يقلل من حالة التردد في اتخاذ القرار.
من يبيع فعلياً.
المشروع أم النجم؟رهنت الشركات جزءاً من استراتيجيتها التسويقية على فكرة تسويق" نمط الحياة" وليس الوحدة العقارية، حيث لا تباع الفيلات والشقق بالأمتار بل بقصة الرفاهية التي تحيط بها.
واعتمدت في ذلك على النجوم كأدوات لتجسيد هذه القصة؛ فظهور سيلفستر ستالون أو ويل سميث لا يروج لمشروع بعينه، بقدر ما يربطه بأسلوب حياة عالمي، يطمح المشتري إلى الاقتراب منه.
وأشارت تقديرات إلى أن أجور هؤلاء النجوم تتراوح بين 500 ألف ومليوني دولار للحملة الواحدة، بينما قد تصل تكلفة إنتاج الإعلان إلى ما بين 50 و100 مليون جنيه، بل تتجاوز ذلك إلى أربعة أضعاف تكلفة الإعلان التقليدي في بعض الحالات.
قادت مجموعة طلعت مصطفى هذا الاتجاه، عندما استعانت بسيلفستر ستالون وتيري هنري في حملة مشروع" ساوث ميد"، وهو المشروع الذي حقق مبيعات قياسية بلغت 60 مليار جنيه خلال أول 12 ساعة، قبل أن تقفز إلى 200 مليار جنيه خلال أقل من ستة أيام.
وواصل المشروع أداءه الاستثنائي، مسجلاً مبيعات تتجاوز 133 مليار جنيه خلال 2025، بما يمثل نحو 40% من مبيعات الساحل الشمالي، بحسب" ذا بورد كونسالتنغ".
واتبعت شركات أخرى المسار ذاته؛ فاستعانت" تطوير مصر" بالنجم ويل سميث، بينما ذهبت" سوديك" إلى نموذج أعمق عبر شراكة مع علامة" نوبو" العالمية المرتبطة بروبرت دي نيرو، في خطوة تتجاوز الإعلان إلى بناء علامة فندقية متكاملة.
كما لجأت" إعمار مصر" إلى المصمم العالمي إيلي صعب لإضفاء طابع عالمي على مشروع" مراسي".
هل الهدف السوق المحلية أم التصدير؟وجهت الشركات هذه الحملات بدرجة أكبر إلى الخارج، وليس للمشتري المحلي فقط، في إطار استراتيجية تستهدف تصدير العقار المصري وجذب العملة الأجنبية.
وربط هشام طلعت مصطفى بين هذه الحملات وبين زيادة العوائد الدولارية، فيما أظهرت بيانات السوق أن أكثر من 30% من مبيعات بعض مشروعات الساحل الشمالي تذهب إلى المصريين بالخارج والأجانب، في حين يضم" ساوث ميد" مشترين من أكثر من 60 جنسية.
واعتمدت الشركات على النجوم العالميين كـ" لغة تسويقية مشتركة" تتيح الوصول إلى جمهور دولي واسع، وتمنح المشاريع طابعاً عابراً للحدود.
هل تنجح هذه الاستراتيجية فعلاً؟عززت هذه الحملات من حضور المشاريع إعلامياً، وساهمت في رفع معدلات الثقة والانطباع العام بقوة العلامات التجارية، ما يضع المشروع مبكراً ضمن خيارات العميل في رحلة الشراء.
لكن تأثيرها لا يتوقف عند الإعلان؛ إذ تمر عملية الشراء بمراحل طويلة تبدأ بالوعي وتنتهي بالقرار، ما يعني أن النجم قد يفتح الباب.
لكنه لا يغلق الصفقة وحده.
وعولت الشركات على ما يوفره النجم العالمي من ثقة فورية لدى العملاء، وهي نقطة دعمها أحمد زكي، الرئيس التنفيذي لشركة" ذا بورد كونسالتنج"، الذي أشار إلى أن ارتباط المشروع بأسماء عالمية يعزز المصداقية لدى المستثمرين، خصوصاً الأجانب.
وأشارت التقديرات إلى أن الشركات تخصص ما بين 3% و5% من استثمارات المشروع للتسويق، في مؤشر على أهمية هذا البعد ضمن الاستراتيجية الشاملة.
متى ينجح الرهان.
ومتى يفشل؟ينجح هذا النموذج عندما يتحول النجم إلى جزء من هوية المشروع أو شريك حقيقي فيه، كما في حالة" نوبو"، أو عندما يعكس فعلاً مستوى الرفاهية التي يعد بها المشروع.
في المقابل، يفقد تأثيره عندما يصبح الظهور عابراً أو متكرراً عبر مشروعات مختلفة، ما يضعف المصداقية ويحول الإعلان إلى مجرد ضوضاء بصرية.
ما الذي تشتريه الشركات فعلياً؟تكشف هذه الظاهرة عن تحول أعمق في سوق العقارات المصرية؛ من بيع وحدات سكنية إلى بيع" صورة ذهنية" و" مكانة اجتماعية".
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة" Crowd Digital" المتخصصة في إنتاج الإعلانات، أحمد المصري، أن الحملات التي تضم نجوماً عالميين مثل ويل سميث أو سيلفستر ستالون تكون تكلفتها أعلى بكثير من الحملات التقليدية، وقد تصل في بعض الحالات إلى أربعة أضعاف تكلفة الإعلان المعتاد على الأقل، وفقاً لطبيعة الإنتاج ومدته ونطاق انتشاره.
وأضاف أن تكلفة التعاقد مع المشاهير العالميين لا تقتصر على أتعابهم فقط، بل تشمل أيضاً عمولات الوسطاء وشركات العلاقات العامة والتسويق، وأجور مديري الأعمال والفرق المصاحبة لهم، ما يرفع التكلفة الإجمالية للحملة بشكل ملحوظ.
وتراهن الشركات اليوم على أن النجوم لا يبيعون العقار بشكل مباشر، بل يبيعون عنصراً أكثر حساسية؛ وهو" الثقة".
لكن هذه الثقة، مهما بلغت تكلفتها، تظل مجرد مدخل إلى الصفقة، وليس بديلاً عن جودة المشروع نفسه أو بيئة استثمارية قادرة على جذب المشترين من الداخل والخارج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك