لم يعد موسم حصاد القمح في العديد من قرى الضفة الغربية مناسبة ينتظرها المزارعون بفرح كما جرت العادة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى موسم يرافقه القلق والخوف والترقب، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف الأراضي الزراعية والمزارعين على حد سواء.
وفي الوقت الذي يفترض أن ينشغل فيه المزارعون بجمع محاصيلهم وتأمين قوت أسرهم، يجد كثيرون أنفسهم أمام واقع مختلف يتمثل في حرائق متعمدة تلتهم السنابل الذهبية، وسرقات للمحاصيل، ومنع من الوصول إلى الأراضي الواقعة بمحاذاة الطرق الالتفافية والمستوطنات، ما ألحق خسائر اقتصادية جسيمة وأثر بشكل مباشر على أحد أهم المواسم الزراعية التقليدية في فلسطين.
في قرية بيت فوريك شرق نابلس، يقول المزارع أبو خالد حنني: " كنا ننتظر موسم الحصاد طوال العام، لكننا فوجئنا هذا الموسم بقيام مستوطنين بإضرام النار في مساحات واسعة من حقول القمح القريبة من الطريق الاستيطاني".
ويضيف في حديثه لـ" قدس برس": " خلال ساعات تحولت مساحات كبيرة من المحصول إلى رماد، وخسرنا تعب عام كامل دون أي قدرة على تعويض الخسائر، بعد أن انتظرنا هذا الموسم أشهراً طويلة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها".
أما في قرية سالم شرق نابلس، فيروي المزارع محمود اشتية معاناته قائلاً: " لم تقتصر الاعتداءات على الحرق فقط، بل تعرضت أجزاء من المحصول للسرقة قبل أيام من الحصاد".
ويتابع: " عندما حاولنا الوصول إلى الأرض لإنقاذ ما تبقى من المحصول، منعنا جنود الاحتلال بحجة الأوضاع الأمنية، ما أدى إلى ضياع جزء كبير من الإنتاج".
ويضيف: " بعد أن فقدنا مصادر عملنا داخل الأراضي المحتلة منذ نحو ثلاثة أعوام، لجأنا إلى الزراعة كمصدر رزق بديل، لكننا نرى الاحتلال والمستوطنين يعودون مرة أخرى للتضييق علينا من خلال استهداف المحاصيل التي تعبنا في زراعتها ورعايتها".
من جانبه، قال الناطق الإعلامي باسم مجلس قروي سالم، ناصر اشتية، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى سهول القرية لحصاد محصول القمح لليوم الثالث على التوالي، ما يهدد بضياع الموسم وتعريض المحاصيل لخطر التلف أو الاحتراق.
وأوضح اشتية أن قوات الاحتلال صادرت، وفق إفادات المزارعين، مفاتيح آليات الحصاد والجرارات الزراعية، ولاحقت المزارعين أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم، ما تسبب في تعطيل أعمال الحصاد وإلحاق خسائر متوقعة بالمزارعين.
ولفت إلى أن مزارعي المنطقة يعتمدون على هذا الموسم كمصدر رزق أساسي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تلف المحاصيل إذا استمر منعهم من دخول الأراضي المحاصرة بالطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية المحيطة.
وفي بلدة ترمسعيا شمال رام الله، يؤكد المزارع محمد جبارة أن الاعتداءات المتكررة دفعت كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة.
ويقول: " تعرضنا هذا العام لاعتداءات من المستوطنين خلال فترة الحصاد، كما مُنعنا أكثر من مرة من الوصول إلى أراضينا القريبة من المستوطنة.
أصبحنا نخشى الذهاب إلى الأرض بمفردنا، وانعكس ذلك على كمية المحصول التي تمكنا من جمعها".
وفي بلدة سنجل، يصف المزارع أحمد غفري الموسم الزراعي الحالي بأنه" الأصعب منذ سنوات"، موضحاً أن المستوطنين كثفوا تحركاتهم بالقرب من الأراضي الزراعية، ما أعاق عمليات الحصاد وأجبر المزارعين على ترك أجزاء من المحصول دون جمع.
ويضيف: " في السابق كنا نخرج إلى الحصاد مع عائلاتنا وسط أجواء من الفرح، أما اليوم فأصبحنا نخشى التعرض للاعتداء في أي لحظة".
أما في قرية المغير شمال شرق رام الله، فيقول المزارع يوسف أبو عليا إن منع الوصول إلى الأراضي الزراعية كان السبب الرئيس في خسارة جزء كبير من المحصول هذا العام.
ويضيف: " كانت الأرض جاهزة للحصاد، لكننا مُنعنا من الوصول إليها لأيام متتالية، وعندما تمكنا من الدخول وجدنا أن أجزاء من المحصول تعرضت للتلف والعبث، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين".
من جهته، يرى الناشط في مقاومة الاستيطان بشار القريوتي أن ما يتعرض له موسم القمح في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية.
ويقول: " اعتداءات المستوطنين على المحاصيل الزراعية، سواء عبر الحرق أو السرقة أو الاعتداء المباشر على المزارعين، تترافق مع إجراءات يفرضها جيش الاحتلال تمنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، خصوصاً في المناطق المحاذية للمستوطنات والطرق الالتفافية.
والنتيجة هي إلحاق خسائر اقتصادية مباشرة بالمزارعين ومحاولة دفعهم تدريجياً إلى ترك أراضيهم".
ويضيف أن استهداف موسم القمح يحمل أبعاداً تتجاوز الخسارة المادية، باعتباره جزءاً من استهداف العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، مؤكداً أن الحفاظ على الزراعة واستمرار الوصول إلى الأراضي يمثلان أحد أهم أشكال الصمود في مواجهة التوسع الاستيطاني.
وبين سنابل احترقت وأخرى لم يتمكن أصحابها من الوصول إليها، يبدأ موسم القمح هذا العام في عدد من قرى الضفة الغربية على وقع الخسائر والاعتداءات، تاركاً وراءه تساؤلات متزايدة حول مستقبل الزراعة الفلسطينية في المناطق الأكثر عرضة لهجمات المستوطنين وإجراءات الاحتلال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك