بخلاف ما كان متوقعاََ لها، فقد سادت الاجتماعات الأولى لقمة “لوسيرن” بسويسرا بين إيران وأمريكا أجواء إيجابية بشهادة واتفاق كل الأطراف بالرغم من التوتر الذي شابها في الساعات الأولى، بسبب تصريحات الرئيس ترامب التي هدد فيها بشكل حاد إيران بالعودة إلى قصفها بقوة أكبر فيما لو “لم يقدم الإيرانيون التزامات جادة على طاولة التفاوض”، الأمر الذي أغضب الجانب الإيراني ودفع بالمفاوضات إلى حافة الانهيار، لولا الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها كل من باكستان وقطر لدى الطرفين، ونجحتا في احتواء التوتر وإنقاذ المفاوضات من الانهيار، ودخول الأطراف في نقاشات مكثفة دامت 18 ساعة بحسب ما تم الإعلان عنه، والتي أسفرت عن اتفاق على خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال الـ 60 يومًا وإنشاء آليات فنية لمتابعة التفاوض ولجنة إشراف على تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وهي آليات ستواصل أعمالها لمناقشة جميع القضايا ذات الصلة.
وبخصوص أعقد القضايا التي تمثل تهديداََ جدياََ لسير المفاوضات وهي قضية لبنان، اتفق الطرفان على إنشاء مجموعة عمل لتجنب التصعيد تضم ممثلين عن كل من إيران وأمريكا ولبنان وذلك بهدف وقف العمليات العسكرية في الأراضي اللبنانية، وهذا مؤشر جيد على حرص الجانب الأمريكي على سد ثغرة الملف اللبناني والإيفاء بتعهدها الوارد في مذكرة التفاهم، على كبح جماح إسرائيل ومنعها من الاستمرار في اعتداءاتها على لبنان.
والملاحظ في سير الاجتماعات الأولى، أن المرونة والحرص على التوصل لتسوية سلمية كانتا القاسم المشترك بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وقد عبّر الجانبان كلا على حدة، عن رضائهما عما تم إنجازه في هذه الاجتماعات حتى الآن، فإيران التي ذهبت إلى سويسرا وهي تحمل في رحلها أثقالاََ من الشك وانعدام الثقة في الجانب الأمريكي، عادت الآن وقد تخففت من كثير من هذه الشكوك، وفي هذا الصدد صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنه قد تم إعفاء صادرات النفط ورفع الحصار والإفراج عن بعض الأصول المجمدة وإطلاق خطة لإعادة إعمار إيران.
وثاني القضايا الآنية المعقدة هي الأخرى حدث فيها ما يمكن وصفه بالانفراج، وقد أشار لذلك الرئيس ترامب في تصريحه الذي قال فيه إن “إيران تبلي بلاءً حسنًا فيما يتعلق بمضيق هرمز”، في إشارة منه إلى ما تم الاتفاق عليه بين الجانبين فيما عرف بآلية العبور الآمن في مضيق هرمز، ويعضد هذا الاتجاه نحو الانفراج الزيارة التي قام بها معالي الدكتور محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الإيراني ومعالي الدكتور سيد عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني إلى مسقط، والتي جرى فيها التشاور مع الجانب العماني حول مسألة المضيق، وقد أكد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية للجانب الإيراني التزام سلطنة عمان بالقانون الدولي والمرور الآمن في مضيق هرمز دون رسوم، وصرح البوسعيدي بأن المناقشات مع الوفد الإيراني كانت بشأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة لا سيما في شقها المتعلق بمضيق هرمز، حيث وصف المناقشات بأنها كانت مثمرة، وذكرت وزارة الخارجية العمانية عقب المباحثات أن الجانبين أكدا خلال اللقاء أهمية توظيف الدبلوماسية الراهنة لدعم مساعي السلام بما يحفظ أمن المنطقة وسلامة الملاحة بمضيق هرمز والممرات الدولية.
وتعطي هذه التصريحات إشارة قوية إلى أن ثمة مرونة قد طرأت على الموقف الإيراني حول المضيق والذي كان يميل نحو التشدد في السابق وحتى قبيل اجتماعات سويسرا، ولا يمكن بطبيعة الحال إغفال الدور العماني في الدفع نحو إحداث هذا التغير لما لعُمان ودبلوماسيتها من تأثير على قضايا المنطقة وخصوصية علاقاتها مع إيران فضلاََ عن الرابطة الجيوسياسية التي تجمعها مع إيران وتشاركهما الجغرافي لمضيق هرمز وهي عوامل تجعل من المحتم على الجارتين التشاور حول كل ما يخص المضيق وعدم انفراد طرف بقرار حوله دون الطرف الآخر تحقيقاََ لمصلحة البلدين.
والحقيقة أن حل معضلة مضيق هرمز وإعادة الملاحة والمرور عبره سيكون مفتاحاََ لحل كثير من القضايا الأخرى التي تشملها مذكرة التفاهم، والعكس صحيح فإن إغلاق المضيق وما يتبعه من إجراءات لاحقة سيؤدي لمزيد من التعقيدات والعراقيل على مسار التفاوض الحالي، خاصة وأن دائرة الرفض لمذكرة التفاهم آخذة في الاتساع في الداخل الأمريكي باعتبارها مجحفة بحق أمريكا ومكافِئة لإيران حسب ما قاله الرافضون لها، كما أن إسرائيل تتربص بالمفاوضات الدوائر وتتحين الفرص لإفشالها، يضاف إلى ذلك أن الأطراف الدولية الأخرى - ومنها دول حليفة وصديقة لإيران - ذات المصالح المرتبطة بشكل وثيق بالمضيق لن ترضَ بأي إجراءات تعيق المرور عبره، حفاظًا على مصالحها التي بدأت تتضرر بسبب الإغلاق، خاصة وأنه بعد فتح المضيق بدأت أسواق النفط العالمية في الاتجاه نحو التعافي وسط مؤشرات على إحراز بعض التقدم في عودة تدفقات النفط الخام عبر المضيق بعد محادثات سويسرا والتي تؤثر على السوق.
على أنه لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بأن قطار التفاوض سيصل إلى وجهته في وقته المضروب بدون توقف، فما يزال المشوار طويلاً والمحطات كثيرة ومتباعدة، وما تزال هناك قوى تسعى لنسف المفاوضات وما تزال هناك بنود مفخخة داخل مذكرة التفاهم تحتاج إلى تفكيك هادئ من طرفي النزاع والوساطة على حد سواء وبالتالي فإن قوة إرادة هذه الأطراف هي الآن تحت الاختبار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك