يستعد السوريون لتوديع عملتهم القديمة مع نهاية يوليو (تموز) المقبل، إذ ستفقد قيمتها الإبرائية، ولن يعود ممكناً استخدامها ثمناً للسلع والخدمات وسداد الديون، كذلك لن يعود متاحاً إيداعها في المصارف، أي ستنتهي صفة القبول القانوني الإجباري لها، وذلك بعد إعلان مصرف سوريا المركزي أن العملة القديمة ستبقى صالحة للتداول وتتمتع بقوتها الإبرائية الكاملة حتى نهاية يوليو المقبل فحسب، ويمكن استخدامها في جميع عمليات الدفع وتسوية الالتزامات المالية خلال فترة التعايش المعلنة، إلى جانب إمكانية استبدالها في النقاط الرسمية المعتمدة.
وأوضح مصرف سوريا المركزي، في بيان صحافي نشره عبر قناته على" تيليغرام"، أن انتهاء فترة التداول المحددة لا يعني سقوط حق المواطنين في استبدال العملة القديمة، مبيناً أنها ستفقد قوتها الإبرائية بعد ذلك التاريخ، إلا أن عملية سحبها واستبدالها ستستمر لدى مصرف سوريا المركزي لمدة خمس سنوات، وفق آليات وإجراءات تنظيمية سيُعلن عنها لاحقاً.
ويأتي هذا التوضيح من قبل مصرف سوريا المركزي في إطار الإجراءات التنظيمية المتعلقة بعملية استبدال العملة، وحرص المصرف على طمأنة المواطنين وضمان انسيابية التعامل النقدي خلال فترة الانتقال والتعايش بين الإصدارين.
وكان المركزي السوري أصدر، نهاية شهر مايو (أيار) الماضي، قراراً يقضي بتمديد فترة استبدال العملة 30 يوماً إضافياً، اعتباراً من الأول من يوليو المقبل.
ورافق تبديل العملة جدل كبير، إذ نصح البعض بإصدار فئات أعلى، فيما مال طرف آخر إلى اقتراح تبديل الأوراق التي تحمل صور الأب والابن فحسب، وهي فئة الألف ليرة من إصدار قديم وفئة 2000 ليرة.
وبدأت سوريا عملية تبديل العملة القديمة بالعملة الجديدة رسمياً في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026، بعد حذف صفرين، وأصبحت كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة.
استمرار حق المواطنين بتبديل أموالهم لمدة خمس سنواتأكد حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان أن انتهاء فترة استبدال العملة عبر المصارف وشركات الصرافة بتاريخ 30 يوليو المقبل لا يؤثر في حق المواطنين في تسليم الأوراق النقدية القديمة واستلام ما يعادلها من الأوراق النقدية الجديدة، ضمن ما يُعرف بفترة السحب التي تستمر لمدة خمس سنوات.
وقال رسلان إن" عملية الاستبدال تسير وفق الخطة الموضوعة وضمن المدد المعلنة، مع استمرار العمل على استكمال المراحل المتبقية، بما يضمن سهولة الإجراءات وانسيابيتها في مختلف المناطق".
وأشار إلى أن الأموال التي تحتفظ بها الأسر السورية تمثل حصيلة سنوات من العمل والجهد، ومن هذا المنطلق يحرص المصرف على توفير المعلومات والتعليمات الرسمية بوضوح وشفافية عبر المنصات الرسمية خلال جميع مراحل عملية الاستبدال.
وأكد رسلان أن الإجراءات مستمرة وفق المواعيد المعلنة، وأن المصرف المركزي يواصل اتخاذ كل ما يلزم لضمان تنفيذ العملية بسلاسة وكفاءة، بما يعزز الثقة ويحافظ على الاستقرار.
وفي وقت سابق، أعلن المصرف المركزي أن نسبة استبدال العملة بلغت 66 في المئة من الكتلة النقدية المقدّرة بنحو 42 تريليون ليرة، داعياً المواطنين إلى الإسراع في استبدال ما تبقى من الأوراق النقدية قبل انتهاء المهلة المحددة.
ضريبة تضخمية فورية على الأرصدة النقدية غير المودعةودعا مصرفيون إلى ضرورة تحليل الواقع الاقتصادي السوري كما هو، في ظل وجود أكثر من نصف التعاملات الاقتصادية خارج القطاع المصرفي الرسمي، وملايين السوريين يعيشون على الدخل اليومي النقدي ولا يملكون حسابات مصرفية على الإطلاق، لكونهم ضحايا انهيار مؤسسي جعل التعامل مع البنوك رفاهية لا تملكها إلا القلة.
وبيّن المحلل الاقتصادي والأستاذ الجامعي إيهاب اسمندر أن تقديرات مصرف سوريا المركزي تشير إلى أن حجم الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي السوري حتى الربع الأول من عام 2025 تجاوز 20 ألف مليار ليرة سورية (1.
4 مليار دولار تقريباً) من الإصدارات القديمة، معظمها من فئة 1000 ليرة وما دون.
وأوضح، في تصريح خاص لـ" اندبندنت عربية"، أن هذا الإعلان يعني أن ما يصل إلى 100 في المئة من هذه الكتلة قد يفقد قيمته في حال عدم استبداله، وهو إجراء بالغ القسوة يُستخدم لاجتثاث العملة المزيفة، وتصفير المخزون النقدي غير المسجل، وإجبار السيولة على دخول القنوات المصرفية.
وأضاف أن من يملك، مثلاً، مبلغ خمسة مليارات ليرة نقداً من الإصدار القديم (350 ألف دولار تقريباً)، ولم يستبدله قبل المهلة، سيتكبد خسارة دفترية بنسبة 100 في المئة، وهو ما يمثل ضريبة تضخمية فورية على الأرصدة النقدية غير المودعة.
وأشار إلى أنه، وبسبب ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وانتشار حيازة النقد خارج المصارف بغرض التحوط أو المضاربة، يمكن أن تصل نسبة الكتلة غير المستبدلة إلى 25 في المئة.
ارتفاع الطلب على الليرة وتحسنها 10 في المئةوعن أثر تحديد موعد نهائي للقيمة الإبرائية للعملة في سعر صرف الليرة السورية، قال المتخصص السوري" إذا أدت العملية إلى خفض الكتلة النقدية المتداولة بنسبة 15 في المئة، أي ما يعادل ثلاثة تريليونات ليرة سورية، نتيجة عدم استبدال جزء من النقد القديم، فإن ذلك يمثل انكماشاً نقدياً مفاجئاً، ما يرفع القيمة الشرائية للرصيد المتبقي نظرياً، وقد يؤدي إلى تحسن في سعر الصرف لمصلحة الليرة السورية بحدود 10 في المئة، مدعوماً بشح السيولة وارتفاع الطلب على الليرة للوفاء بالالتزامات".
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت هناك كميات كافية من العملة الجديدة، قال اسمندر" بحسب ما أعلنه موظفو مصرف سوريا المركزي في (ورشة العملة الجديدة) التي عقدها المصرف لمناسبة الإعلان عن التبديل، فقد طُبع ما قيمته 25 تريليون ليرة، تعادل 175 مليار دولار تقريباً بالليرة الجديدة، على أساس أن الدولار الواحد يساوي 142.
5 ليرة جديدة، وهو ما يغطي الكتلة القديمة بالكامل ويوفر فائض أمان بنسبة 25 في المئة تقريباً".
وأضاف" مع منتصف عام 2026، تظهر التقارير المصرفية أنه تم ضخ نحو 18 تريليون ليرة من العملة الجديدة، تعادل 126 مليار دولار تقريباً، عبر فروع المصرف العقاري والتجاري الحكوميين ومكاتب البريد.
وبافتراض أن 70 في المئة من النقد القديم قد استُبدل حتى الآن، فإن الكميات المطبوعة تفوق الطلب بنحو ثلاثة إلى أربعة تريليونات ليرة كاحتياط.
مشيراً في هذا السياق إلى أن بعض المناطق الريفية قد تعاني نقصاً موقتاً، لكن على المستوى الكلي الرقمي، توجد وفرة في المخزون تغطي المرحلة النهائية من الاستبدال من دون أزمة سيولة حادة.
واستبعد الأستاذ الجامعي لجوء المركزي إلى منح مهلة تمديد إضافية، موضحاً أنه من حيث المبدأ لا يوجد ما يمنع المركزي من تمديد التبديل، ولكن هناك بعض المؤشرات التي تبين أنه، أي المركزي، لن يمنح مهلاً جديدة لأسباب منها: أولاً، أن مهلة التبديل مُددت عدة مرات، وثانياً لغة بيان المركزي حول" فقدان القيمة الإبرائية للعملة القديمة"، وثالثاً، إذا تجاوزت نسبة التبديل حتى الآن 75 في المئة، فإن أي تمديد قد يسيء إلى الانطباع العام عن أداء المركزي من دون جدوى حقيقية.
مخاوف من أزمة سيولة وحدوث انكماشوأكد مصرفيون لـ" اندبندنت عربية" أن المركزي كان حريصاً على وضع الرأي العام في صورة كل مراحل التبديل، والجميع كان يعلم أنه سيتم الوصول إلى التاريخ الذي تفقد فيه العملة قيمتها الإبرائية، إيذاناً بالتحول بصورة كاملة إلى استخدام العملة الجديدة محذوفة الصفرين في كافة المعاملات، في حين سيكون بإمكان من لم يبدل أمواله القيام بذلك لمدة خمس سنوات مقبلة في مصرف سوريا المركزي حصراً.
وأكد المصرفي السوري محمد عياش أن قرار فقدان القوة الإبرائية في تاريخ محدد قد يخلق أزمة سيولة وانكماشاً اقتصادياً، خصوصاً في القطاعات غير الرسمية" الاقتصاد غير المنظم"، نتيجة انهيار مفاجئ في الطلب الفعال، لا سيما إذا عجز قسم من المواطنين وبعض التجار عن استبدال كامل مدخراتهم النقدية لسبب قد يكون تقنياً أو لعدم توافر القدرة على الوصول إلى مراكز التبديل قبل الموعد النهائي.
وأشار إلى أن الجميع يعلم أن أحد أهم أماكن الادخار لدى السوريين هي بيوتهم، وغالباً ما تكون مدخرات العمر كما يقولون، وسبب وضعها في البيوت يعود إلى عدم الثقة بالجهاز المصرفي الذي خلقه النظام السابق عبر الكثير من القرارات التي كبلت عمليات السحب وتسببت في تجميد أموال الناس، عدا عن منصة تمويل المستوردات التي كانت السبب الأهم وراء فقدان الثقة بالجهاز المصرفي في البلاد، إذ تسببت في حبس أموال للتجار المستوردين بمبالغ تصل إلى 500 مليون دولار على الأقل.
وأكد عياش أن من الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت مصرفياً وأسهمت في هروب الناس من إيداع أموالهم في المصارف فرض شروط تعجيزية على المبالغ الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي تسبب في مصادرة أموال الفقراء ومحدودي الدخل وحتى الطبقة الوسطى في مرحلة تراجعها.
ودعا المصرفي السوري إلى تبسيط إجراءات الاستبدال خلال الفترة المتبقية من تعايش العملتين، وجعلها أكثر سلاسة وسهولة وسرعة، وبموجب الهوية الشخصية فحسب للمبالغ الصغيرة ومن دون السؤال عن مصدرها، والعمل على طمأنة الناس على مستقبل أموالهم، ومحاولة وضع شروط إفصاح غير معقدة لمن يملكون مبالغ كبيرة معقولة لا تحمل شبهة أموال فاسدة، آملاً في أن يكون هناك معروض كافٍ من العملة الجديدة مع احتياط منها لا يقل عن 30 في المئة، إلى جانب وضع آليات جاذبة وغير طاردة لعملية التبديل خلال السنوات الخمس المقبلة، التي تشكل فترة كافية للاستبدال، وبصورة تضمن عدم ضياع المدخرات، وحيث سيكون التبديل عبر مصرف سوريا المركزي حصرياً، مؤكداً في حديثه أنه حان الوقت ليستعيد دوره الحقيقي بعيداً من كونه مجرد مطبعة لتمويل العجز.
وحذر المتخصص السوري من لجوء بعض من يملكون مبالغ كبيرة من العملة القديمة، بخاصة الفاسدين والمحتكرين والمتلاعبين بالليرة، إلى خلق حالة من الفوضى والازدحام في فترة التبديل الأخيرة أو بعد الانتهاء منها عبر تجزئة الأموال إلى الحد الذي لا يخضع للسؤال عن مصدرها، فنعيد بذلك مشهد الطوابير عندما كان المركزي في السنوات الأولى للحرب يبيع كل مواطن 10 آلاف دولار، إذ قام التجار باستئجار أشخاص لشراء مبالغ كبيرة من الدولار لمصلحتهم، الأمر الذي تسبب في استنزاف مخزون البلاد من القطع الأجنبي.
منذ عام 2011، بدأت الليرة السورية رحلة الانهيار، وارتفع سعر الدولار إلى نحو 63 ليرة بنهاية 2011، ثم إلى 70 ليرة في 2012 مع تصاعد العمليات العسكرية وفرض العقوبات الغربية التي عزلت سوريا عن الاقتصاد العالمي.
ومع دخول الحرب عامها الثالث في 2013، تسارع الانخفاض ليصل الدولار إلى نحو 170 ليرة، وبلغ 220 ليرة في 2014.
وبحلول عام 2015 فقدت الليرة ما يقارب 100 في المئة من قيمتها، متجاوزة 500 ليرة مقابل الدولار الواحد، ثم وصلت إلى 645 ليرة في 2016 قبل أن تتراجع نسبياً بين 410 و550 ليرة في 2017.
وعلى رغم محاولات مصرف سوريا المركزي التدخل، فشلت سياساته، التي وُصفت بالتردد والتذبذب وعدم مواكبة السوق، مع تغييرات متكررة في قيود السحب وحبس الكاش وحظر التعامل بالدولار، الذي اعتُبر جريمة يعاقب عليها القانون.
واستمر تراجع الليرة بصورة كبيرة، فوصل الدولار إلى نحو ألف ليرة عام 2019، ثم إلى 2800 ليرة بنهاية 2020 بعد تطبيق قانون قيصر، ثم وصل إلى 5000 ليرة عام 2021.
وواصل الدولار ارتفاعه ليصل إلى أكثر من 13 ألف ليرة بنهاية 2023، ليبدأ الانهيار الاقتصادي وتراجع القطاعات الإنتاجية، إذ بلغت خسائر الاقتصاد السوري 800 مليار دولار خلال سنوات الحرب.
وفي عام 2024 لامس سعر الدولار 15 ألف ليرة، ومع سقوط النظام البائد تهاوت الليرة وسجل الدولار في الأيام التي سبقت السقوط 27 ألف ليرة، قبل أن يتراجع إلى ما دون 10 آلاف ليرة بعد سقوط النظام البائد، وخلال الأشهر الأخيرة من العام الحالي ارتفع سعر الدولار بصورة واضحة ليتجاوز 14250 ليرة حالياً.
وكانت سوريا أعلنت، في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، العملة السورية الجديدة التي حُذف منها صفران، فصارت كل 100 ليرة سورية قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة.
وركزت العملة على السلع المتوافرة في الدولة السورية، وهي الوردة الشامية" 10 ليرات"، والتوت الشامي" 25 ليرة"، والحمضيات" 50 ليرة"، والقطن" 100 ليرة"، والزيتون" 200 ليرة"، والقمح" 500 ليرة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك