تخيل أنك خرجت لتوك من محادثة أو لقاء مع شخص تقابله لأول مرة أو اجتماع عمل، وفي طريق عودتك إلى البيت يبدأ مشهد داخلي لا يراه أحد سواك، تعيد الكلمات وتحلل نبرة صوتك وتفتش في تعابير وجهك وكأنك أمام محكمة داخلية صارمة: " كنت أتكلم كثيرا"، " تلك القصة كانت مملة"، " لماذا قاطعته؟ "في الوقت نفسه، ربما كان الشخص الآخر يقول لنفسه: " كان الحوار ممتعا جدا، أتمنى أن نلتقي مرة أخرى".
list 1 of 4هل تنسحب أم تكمل مقابلة العمل؟ دليلك لاتخاذ القرار حين يتحول الاختبار إلى استفزاز أو إهانةlist 2 of 4الجزيرة مباشر تحاور أشهر صانع محتوى على سلم خشبيlist 3 of 4قبل أن يدفعك مديرك للاستقالة.
اسأل نفسك هذه الأسئلةlist 4 of 4لديك مقابلة عمل؟
إليك هذه النصائحهذا التناقض بين ما تظنه أنت وما يشعر به الآخر فعليا، هو ما يسمى" فجوة الإعجاب" (Liking Gap)، أي المسافة بين تقييم الآخرين لنا بعد التفاعل معهم، وتقييمنا نحن لأنفسنا.
المفارقة أن كثيرا من الناس يخرجون مقتنعين أنهم تركوا انطباعا سلبيا، بينما يكون الطرف الآخر في الغالب قد استمتع بالمحادثة وشعر بالارتياح أكثر مما يتوقعون.
التركيز على الأخطاء.
عدسة مشوهة للذاتأحد الأسباب الأساسية وراء هذه الفجوة هو ما يمكن تسميته بـ" التكبير الانتقائي للأخطاء".
أثناء الحوار، قد لا يلاحظ الطرف الآخر زلة بسيطة أو توقفا قصيرا في الكلام، لأنه يكون منشغلا بمحاولة الفهم، أو التفكير في رده، أو حتى بالقلق على انطباعه هو أيضا.
وهذا ما أشارت إليه دراسات أجريت في" مختبر كلارك للعلاقات" في جامعة ييل الأمريكية.
لكن العقل بعد انتهاء اللقاء يعيد تشغيل المشهد بطريقة مختلفة تماما:يسلط الضوء على كل خطأ صغير بنسبة مبالغ فيها.
يتجاهل اللحظات الإيجابية التي مرت بسلاسة.
المشكلة هنا ليست نقص وعي، بل انحياز إدراكي يجعلنا نرى أنفسنا بصرامة لا نطبقها على الآخرين.
ماذا يحدث في عقولنا بعد أي حوار؟الدكتورة سحر طلعت، استشارية العلاج النفسي البيوديناميكي، توضح الصورة للجزيرة نت: " أثناء أي حوار، أنت تعيش في مستويين في وقت واحد: ما تقوله للخارج، وصوت داخلي يعلق على كل كلمة تقولها.
هذا الصوت يلتقط كل تعثر وكل صمت وكل جملة لم تخرج كما أردت".
وتكمل: " دماغك مبرمج على اكتشاف التهديد الاجتماعي، وذاكرتك تحتفظ بأرشيف لا يملكه أحد سواك.
تتذكر كل لحظة تعرضت فيها للإحراج مثلا، لكن الآخرين لا يحملون هذا الأرشيف، ولا يعرفون تلك اللحظات أصلا".
كل هذا يدخل في ما تسميه سحر" متلازمة الأضواء"، حيث نعتقد أن الآخرين يلاحظون تفاصيلنا الصغيرة بالدقة نفسها التي نلاحظها نحن، بينما الحقيقة أنهم منشغلون بأصواتهم الداخلية تماما، كما أنت منشغل بصوتك.
الكذب على الذات غالبا ليس قرارا واعيا، بل خدعة نفسية تحدث في الخلفية.
تقول سحر إن هناك 3 أسباب رئيسية لذلك:التركيز التلقائي على السلبيات (غريزة البقاء)أدمغتنا مبرمجة منذ القدم على تضخيم المخاطر والمخاوف لضمان البقاء.
اليوم تحولت هذه الآلية إلى صوت نقد داخلي عال، لدرجة أنك تصدقه وتعتبره حقيقة مجردة، بينما هو في الغالب مجرد وهم ضخّمته مخاوفك.
النقص الطبيعي في المعلوماتأنت تعرف بالتفصيل ما يدور في عقلك من قلق وشكوك، لكنك لا تعرف ما يدور في عقول الآخرين.
ولسد هذا الفراغ، يبدأ عقلك بتأليف سيناريوهات وافتراضات، وغالبا ما يختار السيناريو الأسوأ.
هوس الأرقام (تأثير المنصات)وسائل التواصل الاجتماعي عودتنا أن" القبول والحب" يقاسان بالأرقام، الإعجابات والمتابعون والمشاهدات.
عندما تخرج إلى الحياة الواقعية لا تجد هذه الأرقام، فتشعر بالقلق لأنك لم تعد تتحمل الغموض الطبيعي للمشاعر الإنسانية، التي لا يمكن قياسها برقم.
وتوضح سحر أنه بسبب هذه العوامل الثلاثة، نفقد ثقتنا بأنفسنا تدريجيا، ونبدأ في اتخاذ قراراتنا الاجتماعية، مثل الابتعاد عن شخص أو الظن بأن أحدهم يكرهنا، بناء على أوهام وصراعات داخلية صنعناها في عقولنا، لا بناء على الواقع الحقيقي.
كيف يمكن إنقاذ ثقتنا بأنفسنا؟تقول سحر إن الثقة بالنفس لا تُبنى بأن تردد لنفسك أنك شخص رائع، بل بأن تدرك أن الصوت الناقد داخلك لا يملك كل المعلومات.
تضيف: " لا تدع فجوة الإعجاب تدمر علاقة حقيقية.
قد تضيع صداقة لأنك استمعت لصوتك الداخلي وصدقته، بينما لم يحدث شيء كارثي في الواقع".
والخروج من هذه الدوامة يبدأ بمجرد الاستمرار في المحاولة، حتى حين يخبرك الصوت الداخلي بعكس ذلك.
هذا يعني أن المشكلة ليست فقط في" كيف يراك الآخرون"، بل أيضا في" كيف يتخيل كل طرف أنه يُرى".
كيف نغلق فجوة الإعجاب ونعيش بسلام؟تختم الدكتورة سحر حديثها قائلة: " إغلاق هذه الفجوة لا يعني إيقاف التفكير، بل إعادة ضبطه".
وتقترح 3 خطوات عملية:عدم اعتبار الشعور السلبي بعد اللقاء دليلا على فشلهالشعور بعدم الارتياح بعد أي محادثة لا يعني أن اللقاء كان سيئا.
في كثير من الأحيان يكون هذا الشعور مجرد" تشويش إدراكي" طبيعيا، ناتجا عن مراجعة زائدة لكل تفصيل.
تدريب العقل على موازنة التقييمبدلا من التركيز على خطأ واحد أو لحظة صمت، حاول استحضار الصورة الكاملة للمحادثة، بما فيها اللحظات التي سارت بسلاسة أو الأسئلة التي طرحها الطرف الآخر أو اهتمامه بالاستماع.
هذه مؤشرات على أنه كان مندمجا، حتى لو لم يقل ذلك صراحة.
تذكر أن الآخرين يعانون من الفجوة نفسهاالشخص الذي تعتقد أنه حكم عليك سلبا، قد يكون هو نفسه بعد اللقاء يفكر في انطباعك عنه، ويقلق بالطريقة نفسها.
إدراك أن هذه المعركة الداخلية مشتركة يخفف من حدة الأحكام التي نصدرها على أنفسنا.
" فجوة الإعجاب" ليست خللا في شخصيتنا كما نظن، بل خلل في طريقة قراءة عقولنا للواقع الاجتماعي.
إنها مساحة وهمية بين ما حدث فعلا، وما نعتقد أنه حدث.
وعندما نفهم أن هذه الفجوة مشتركة بين الجميع، يصبح من الأسهل أن نخفف من قسوتنا على أنفسنا، وأن ندرك أن معظم المحادثات تنتهي غالبا بشكل أفضل مما نتخيل، حتى لو أقنعنا عقلنا بالعكس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك