جرش- رغم احتضان محافظة جرش عشرات العيون والينابيع المائية التي شكلت على مدى عقود شرياناً للحياة الزراعية ومقصداً للمتنزهين، فإن معظم هذه المواقع ما يزال بعيدا عن الاستثمار السياحي المنظم، في وقت يرى فيه مختصون أن تطويرها وتأهيلها يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للسياحة البيئية ويعزز التنمية المحلية، دون المساس بدورها الأساسي كمصادر للمياه وداعم رئيس للقطاع الزراعي.
اضافة اعلانوتشهد جرش خلال فصل الصيف حركة سياحية نشطة، حيث يقصدها آلاف الزوار من مختلف محافظات المملكة هربا من درجات الحرارة المرتفعة، مستفيدين من اعتدال الأجواء والطبيعة الخضراء التي تتميز بها المحافظة، لا سيما أن الينابيع المائية يمكن أن تشكل نقطة جذب إضافية تسهم في إطالة مدة إقامة الزائر وزيادة إنفاقه داخل المحافظة.
وتنتشر في المحافظة عشرات العيون والينابيع التي شكلت على مدى عقود مصدرا للمياه ومقصدا للأهالي والمتنزهين، إلا أن العديد منها يعاني نقصا في البنية التحتية والخدمات الأساسية، وغياب المرافق التي تتيح استثمارها سياحيا مع الحفاظ على دورها الرئيس كمصادر للمياه وداعمة للقطاع الزراعي.
ويؤكد مهتمون بالشأنين البيئي والسياحي أن هذه الينابيع تمتلك مقومات تؤهلها لتكون جزءا من برامج السياحة البيئية ومسارات المشي المنتشرة في المحافظة، خاصة أن عددا منها يقع في مناطق تتمتع بطبيعة خلابة وتستقطب الزوار خلال فصل الصيف، الأمر الذي يجعل من تأهيلها فرصة لتعزيز الحركة السياحية ودعم المجتمعات المحلية، بالتوازي مع حماية الموارد المائية.
وأشاروا إلى أنه وسط الحاجة إلى الحفاظ على هذه المصادر الحيوية، والطموح إلى استثمارها سياحيا بصورة مستدامة، تبرز مطالب بضرورة وضع خطة متكاملة لتطوير العيون والينابيع المائية في جرش، بما يضمن استمرار دورها في خدمة الزراعة وتزويد المواطنين بالمياه، ويفتح في الوقت ذاته آفاقا جديدة أمام القطاع السياحي في المحافظة.
ولفتوا كذلك إلى أن ينابيع وعيون المياه في جرش، ومنها عين الديك وعين القيروان والعديد من العيون الأخرى المنتشرة في القرى والأودية، تشكل ركائز أساسية للحياة اليومية والقطاع الزراعي، حيث تسهم في تزويد مناطق مختلفة بالمياه، وتدعم ري مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إلى جانب ما تمتلكه من مقومات طبيعية وسياحية تجعلها وجهات جاذبة للزوار والمتنزهين خلال فصل الصيف.
كما أكدوا أن هذه الينابيع تعد موردا متعدد الوظائف، فهي ليست مجرد مصادر للمياه، بل مواقع طبيعية قادرة على استقطاب الزوار وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي إذا ما جرى تطويرها وتأهيلها بطريقة تحافظ على استدامتها البيئية.
ووفق المزارع نضال العياصرة، فإن العيون المائية في جرش تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحديات المائية التي تواجه المملكة، إذ تعتمد عليها مزارع وبساتين في العديد من المناطق، وتسهم في الحفاظ على الرقعة الزراعية التي تشكل جزءاً مهماً من هوية المحافظة الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد أن تدفق المياه من بعض الينابيع ساعد على استمرار زراعة الأشجار المثمرة والخضراوات، وأسهم في الحفاظ على مئات الدونمات المزروعة، لافتا في الوقت ذاته، إلى أن حماية هذه المصادر المائية وصيانتها تمثل ضرورة للحفاظ على الإنتاج الزراعي ودعم الأمن الغذائي المحلي.
ويرى العياصرة أن أهمية هذه الينابيع لا تقتصر على الجانب الزراعي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب الخدمي، حيث تشكل بعض العيون مصدرا مهما للمياه التي يستفيد منها المواطنون بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يجعل المحافظة عليها مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية.
أما الدليل السياحي حسن عتمة، فيقول إنه ورغم ما تمتلكه هذه المواقع من مقومات طبيعية فريدة، فإن العديد منها ما يزال يفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تمكنه من استقبال الزوار بالشكل المناسب، حيث تعاني بعض المواقع من غياب الممرات الآمنة، ونقص اللوحات الإرشادية، وضعف أعمال التنظيف والصيانة الدورية، إضافة إلى الحاجة لتوفير مناطق جلوس ومرافق خدمية تحافظ على جمالية المكان وتمنح الزائر تجربة متكاملة.
وأضاف، أن تطوير هذه المواقع لا يتطلب مشاريع ضخمة بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة تقوم على السياحة البيئية المستدامة، من خلال إنشاء مسارات للمشي تربط بين الينابيع والمواقع الطبيعية المجاورة، وتوفير مرافق بسيطة ومنسجمة مع البيئة المحيطة، بما يضمن الحفاظ على الطبيعة وتعزيز جاذبية المكان.
وقال عتمة: إن العديد من المسارات السياحية المعتمدة تمر بالقرب من ينابيع ومجاري مائية تتمتع بمشاهد طبيعية خلابة، إلا أن غياب الترويج الكافي والخدمات اللازمة يحول دون الاستفادة الكاملة من هذه المواقع، رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها.
من جانبه، يرى الخبير السياحي والدليل الدكتور يوسف زريقات أن إدراج الينابيع المائية ضمن البرامج السياحية المنظمة سيمنح الزوار فرصة للتعرف على جانب مختلف من جرش، بعيدا عن الصورة النمطية التي تقتصر على المدينة الأثرية، حيث يمكن دمج السياحة الطبيعية والزراعية والثقافية في تجربة واحدة تعكس تنوع المحافظة وغناها البيئي.
وأضاف زريقات أن تطوير هذه المواقع من شأنه أن ينعكس إيجابا على المجتمعات المحلية من خلال توفير فرص عمل جديدة للشباب، وتشجيع إقامة مشاريع صغيرة مرتبطة بالسياحة البيئية، مثل الأكشاك الريفية، والمنتجات الزراعية المحلية، والخدمات الإرشادية، والمطاعم العائلية، الأمر الذي يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية داخل القرى القريبة من تلك الينابيع.
وأجمع المعنيون على أن الاستثمار في الينابيع المائية يجب أن يقوم على مبدأ التوازن بين الاستفادة الاقتصادية والحفاظ على المورد الطبيعي، بحيث لا تؤثر أعمال التطوير على نوعية المياه أو كمياتها، ولا تمس الدور الحيوي الذي تؤديه في خدمة القطاع الزراعي وتزويد المواطنين بالمياه.
ويؤكد هؤلاء أن أي خطة تطويرية يجب أن تتضمن برامج للحماية البيئية، ومراقبة مصادر التلوث، وإجراء أعمال صيانة دورية، والحفاظ على الغطاء النباتي المحيط بالينابيع، بما يضمن استدامة هذه الموارد للأجيال القادمة.
بدوره، يؤكد مدير غابات دبين في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة المهندس بشير العياصرة، أنه وفي ظل الاهتمام المتزايد بالسياحة البيئية حول العالم، تمتلك جرش فرصة حقيقية لتحويل عيونها وينابيعها إلى محطات رئيسة على خارطة السياحة الداخلية، خصوصا أن المحافظة تجمع بين الطبيعة والمياه والآثار والتراث الزراعي في مساحة جغرافية واحدة.
وأشار إلى أن الينابيع المائية ليست مجرد مصادر للمياه، بل جزء من الذاكرة الجماعية والهوية المحلية، إذ ارتبطت بها حياة الناس لعقود طويلة، وشكلت شاهدا على تطور القرى ونمو النشاط الزراعي فيها.
وأضاف العياصرة أنه مع استمرار الجهود الرامية إلى تنشيط القطاع السياحي، وتعزيز الاستفادة من الموارد الطبيعية، تبرز الحاجة إلى إطلاق برامج متخصصة لتأهيل العيون والينابيع المائية وصيانتها وتطوير محيطها، بما يضمن الحفاظ على دورها الحيوي في ري المزروعات وتزويد المواطنين بالمياه، وفي الوقت ذاته تحويلها إلى وجهات سياحية مستدامة تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز مكانة جرش كواحدة من أبرز الوجهات الطبيعية والسياحية في المملكة.
ويرى أنه بين الماء الذي يروي الحقول، والطبيعة التي تستقطب الزوار، تكمن فرصة تنموية واعدة تنتظر أن تتحول إلى واقع، لتصبح عيون جرش المائية عنوانا جديدا للسياحة البيئية والتنمية المستدامة في المحافظة.
وتؤكد مشاريع تطوير القطاع الزراعي في محافظة جرش أهمية الحفاظ على العيون والينابيع المائية باعتبارها أحد أهم مصادر الري في المحافظة، إذ نفذت مديرية زراعة جرش خلال السنوات الماضية سلسلة من المشاريع الهادفة إلى رفع كفاءة استخدام المياه والحد من الفاقد المائي.
وشملت هذه الجهود تنفيذ مشاريع لتبطين قنوات الري بطول تجاوز 3 آلاف متر في عدد من المناطق الزراعية، إلى جانب تجديد شبكات نقل المياه، بهدف تقليل التسرب والتبخر وضمان وصول المياه إلى أكبر عدد من الحيازات الزراعية.
كما استفاد نحو ألف مزارع من مشاريع الحصاد المائي التي تضمنت إنشاء ما يقارب ألف بئر لتجميع مياه الأمطار، في خطوة عززت قدرة القطاع الزراعي على مواجهة تحديات شح المياه، وفق مديرية زراعة جرش.
وتشير تقديرات إلى انتشار أكثر من 64 عينا وينبوعا مائيا في مختلف مناطق محافظة جرش، الأمر الذي يجعلها من أغنى المحافظات الأردنية بالمصادر المائية الطبيعية.
وتؤدي هذه الينابيع أدوارا متعددة تتجاوز ري المزروعات لتشمل دعم التزويد المائي والحفاظ على البيئة المحلية، فيما تمتلك العديد منها مقومات سياحية وطبيعية تؤهلها لتكون محطات رئيسة ضمن برامج السياحة البيئية ومسارات المشي إذا ما جرى تأهيلها وتوفير البنية التحتية والخدمات اللازمة لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك