وسط أجواء الحماسة والحيوية التي تصاحب كأس العالم، التي تمثل حدثاً عالمياً ينتظره عشاق «الساحرة المستديرة» في كل مكان، يبرز وجه آخر لهذا «العرس الكروي»، عندما يتحول إلى سبب للخلافات والمشاجرات العائلية، خصوصاً عندما يرفع الأزواج لافتة «لا صوت يعلو فوق صوت كأس العالم»، بينما تشكو الزوجات الإهمال والتجاهل.
حالة الاستحواذ التي يمارسها الرجال على شاشة التلفزيون، وتسمّرهم أمامها، إلى جانب السلوك العصبي، وأحياناً العنيف من الأزواج خلال وعقب المباريات، تصدرت أسباب الخلافات خلال فترة المونديال من جانب الزوجات، في حين رأى رجال أن عدم تقدير رغبتهم في متابعة شيء يحبونه مثل كرة القدم هو أبرز ما يسبب الخلافات.
وقالت سارة عادل (مهندسة) إن زوجها من قبل أن تبدأ مباريات كأس العالم، أخبرها بأنه سيستحوذ على التلفزيون في مواعيد عرض المباريات، مضيفة لـ«الإمارات اليوم» أنها اعتقدت في البداية أنه يبالغ، وسيقتصر الوقت على المباريات الخاصة بالفرق العربية فقط، ولكنها اكتشفت أن زوجها يتابع معظم المباريات.
وتابعت: «الأمر لا يقتصر على مشاهدة المباريات وما يعقبها من برامج للتحليل الرياضي، بل المشكلة الأكبر في حالة التوتر التي يخلقها في البيت، وردود أفعاله المنفعلة خلال متابعة اللعب، والتي قد تصل إلى الهتاف أو الصراخ والتصرف بعصبية في حال خسارة الفريق الذي يشجعه، ما يخلق أجواء مزعجة في البيت، ويمثل ضغطاً نفسياً لها وللأبناء، خصوصاً أن سلوك الأب العصبي غالباً ما ينعكس على طريقة تعامله معهم».
سبب آخر للخلافات الزوجية تذكره فاطمة علي (مدرّسة)، وهو إصرار زوجها على مشاهدة مباريات كأس العالم مع أصدقائه في أحد المقاهي، ونظراً لفروق التوقيت بين الإمارات والولايات المتحدة، يُعرض معظم المباريات في أوقات متأخرة من الليل، وأحياناً إلى الفجر، ما اضطر زوجها للحصول على جزء من إجازته السنوية لمتابعة مباريات منتخب بلده، والمباريات المهمة من وجهة نظره، وهو ما كان سبباً للشجار بينهما، إذ ترى أنه يهدر إجازته السنوية التي كان من المقرر أن يسافرا خلالها لبلدهما لرؤية الأهل والأقارب، وحضور مناسبات مجتمعية هناك، إلى جانب أنه يقضي أوقاتاً طويلة خارج المنزل على حساب الوقت الذي يجب أن يقضيه مع أسرته.
من جانبها، قدمت راما عبدالله (موظفة)، سبباً مغايراً للخلافات، إذ إن زوجها يحب التجمعات العائلية ومع الأصدقاء، ويعتبر فترة المونديال هي فرصة ليقضي أوقاتاً مسلية وحماسية لا تكتمل من دون أن يكون حوله أشقاؤه وأصدقاؤه، ولأنه كريم جداً، حسب وصفها، يحرص على دعوتهم لمتابعة المباريات معه في المنزل، وبالطبع يوفر ضيافة كاملة لهم.
واعترفت بأن وجود ضيوف كل يوم تقريباً في المنزل، يمثل عبئاً عليها، خصوصاً أنها تعمل، ولديها طفلان صغيران، فلابد أن يكون المكان منظماً وجاهزاً لاستقبال الزوار، والضيافة معدة، ما يجعلها في حالة استنفار طوال الوقت، ويمثل ضغطاً بدنياً ونفسياً عليها، إلى جانب الضغط على ميزانيتهما بسبب كثرة العزائم خلال هذه الفترة.
وعلى العكس من راما، تشكو ضحى محمد معاناتها مع زوجها، بسبب ميله للعزلة، وعدم اهتمامه بالرياضة ومتابعة كأس العالم، بينما تهتم هي بمشاهدة المنافسات، خصوصاً المباريات الخاصة بالفرق العربية المشاركة هذا العام، وكثيراً ما ترغب في الانضمام لأصدقائهما المشتركين لمتابعة هذه المباريات، وقضاء وقت ممتع معهم، ولكن زوجها يرفض ذلك تماماً، لأنه غير اجتماعي، ويشعر بالانزعاج من فكرة الوجود بين عدد كبير من الناس وهم في حالة حماسة وتحفز.
أما من «الفريق المقابل» الرجالي، فأشار محمد عبدالله (مهندس)، إلى أن كأس العالم هي مناسبة استثنائية، تحدث مرة كل أربع سنوات، وبالتالي من الطبيعي أن يهتم بها محبو الرياضة، وكرة القدم تحديداً، ومحاولة مشاهدة أكبر عدد ممكن المباريات، لأن كل فريق يحرص في هذه المناسبة على تقديم أفضل ما لديه من أداء، وهي متعة لا يفهمها إلا من يحب هذه اللعبة، ويهوى مشاهدتها، معتبراً أن احترام الزوجة لاهتمامات شريك حياتها بكأس العالم أمر منطقي، ولا يستحق الشجار أو إثارة الخلافات.
واتفق معه علي أحمد (صيدلي)، مشيراً إلى أن الزوج الذي يحرص على الاهتمام بأسرته، وتخصيص وقت للخروج معهم أو قضاء وقت معهم داخل المنزل، وتلبية كل احتياجاتهم، من حقه أن يستمتع بمشاهدة هذا الحدث الذي لا يتكرر إلا مرة كل أربعة أعوام.
ونصح الزوجات بتجنب التحدث مع الرجال في موضوعات مختلفة أو الطلب منهم القيام بمهام خلال مشاهدة المباريات، تجنباً لإثارة المشكلات أو الشجار.
من جانبهم، تناول أطباء نفسيون ومتخصصون في علم الاجتماع تأثير موسم كأس العالم على العلاقات الأسرية، ويمكن التركيز على نصائح عدة لتلافي الخلافات في هذه الفترة، منها:- التعامل مع الحدث باعتباره مناسبة احتفالية يتشارك فيها أفراد الأسرة وليس الزوج فقط، ومحاولة وضع قواعد للمشاهدة والاحتفال دون الإخلال باستقرار الحياة الأسرية أو وضع أعباء على أفراد الأسرة دون مبرر.
- التحلي بمرونة نفسية لتجنب الخلافات منذ بدايتها، وأن تحاول الزوجة تفهم اهتمامات زوجها، واستيعاب التغيرات التي تطرأ على حياتهما خلال فترة المونديال باعتبارها فترة مؤقتة.
- عدم طرح موضوعات جادة، مثل مصروف المنزل أو مناقشة المشكلات والخلافات بين الزوجين خلال فترة عرض المباريات، ومحاولة اختيار الوقت المناسب لذلك.
- اختيار مواعيد المباريات المهمة لمتابعتها والاتفاق على هذه الأوقات بين الزوجين، بما يسهم في مراعاة الحياة في المنزل دون إزعاج الزوجة أو الأبناء.
- العمل على خلق اهتمامات مشتركة بين الزوجين، ومساحة تقوم على التقارب بينهما، بدلاً من التعامل بحالة من التحفز لموقف الرفض من البداية.
أظهرت دراسة نُشرت عام 2022، أن أيام مباريات كأس العالم ارتبطت بارتفاع ملحوظ في حالات العنف الأسري ضد النساء في كولومبيا، إذ زادت الفحوص الطبية المرتبطة بالعنف ضد المرأة بنسبة 43% خلال مونديال 2014، وبنسبة 26% خلال مونديال 2018 مقارنة بالأيام العادية.
وأوضحت الدراسة أن الزيادة كانت أكبر في عطلات نهاية الأسبوع، وحتى بعد فوز منتخب بلادهم، ما يدل على أن نتيجة المباراة وحدها ليست عاملاً مؤثراً في الانفعال الجماهيري.
وفي دراسة أُجريت في شمال غرب إنجلترا، وجد الباحثون أن بلاغات العنف الأسري ارتفعت بنسبة 26% عندما فاز المنتخب الإنجليزي أو تعادل، وارتفعت إلى 38% عندما خسر، مقارنة بالأيام التي لا تُقام فيها مباريات للمنتخب.
ويرى علماء الاجتماع أن الرياضة لا تخلق العنف من العدم، لكنها قد تعمل كمحفز يكشف مشكلات قائمة بالفعل داخل الأسرة.
الأمر يصل لدى زوجي إلى الصراخ والتصرف بعصبية في حال خسارة الفريق الذي يشجعه، ما يخلق أجواء مزعجة في البيت.
زوجي ضيّع جزءاً من إجازته السنوية لأجل مشاهدة المباريات.
إلى جانب أنه يقضي أوقاتاً طويلة خارج المنزل.
البيت تحول خلال فترة المونديال إلى مكان لتجمع أصدقاء زوجي، ما جعلني في حالة استنفار ومثّل ضغطاً بدنياً ونفسياً.
الزوج الذي يحرص على تلبية كل احتياجات الأسرة، من حقه أن يستمتع بمشاهدة الحدث الذي لا يتكرر إلا مرة كل أربعة أعوام.
المونديال مناسبة استثنائية، ومن الطبيعي أن يهتم بها محبو الرياضة وكرة القدم تحديداً، ومحاولة مشاهدة أكبر عدد ممكن المباريات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك