التلفزيون العربي - "4+4" اجتمعت.. الأمم المتحدة تعلن عن توافق على قانون رئاسيات ليبيا Independent عربية - قتيلان بضربة إسرائيلية على جنوب لبنان رغم وقف النار العربية نت - صيباري يقتحم قائمة هدافي العرب التاريخيين في كأس العالم روسيا اليوم - البيت الأبيض يطلب من الكونغرس تخصيص 87.6 مليار دولار لتغطية تكاليف حرب إيران والتصدي لإيبولا Independent عربية - الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل متعاقد في "حادثة" بغزة وكالة سبوتنيك - زلزال بقوة 7.1 درجة يضرب فنزويلا وتحذير من تسونامي إيلاف - زهرة النيل: كيف تحولت بمظهرها الجذاب إلى كابوس مائي في العراق إيلاف - نهيان بن مبارك.. مبدع الوعي ومهندس الإنسان وباني جسور التسامح Independent عربية - 3 قتلى في روسيا وإظلام مدينة بالقرم ولافروف يرفع "تفاهمات ألاسكا" روسيا اليوم - مصدر عسكري ينفي صحة الأخبار المتداولة عن حشودات عسكرية للجيش السوري على الحدود اللبنانية
عامة

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (25

سودانايل الإلكترونية

الفترة الانتقالية 2005 – 2011كما أوضحنا في المقال السابق، فقد اتفقت حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان بمقتضى بروتوكول مشاكوس الذي تمّ التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002 على تنفيذ اتفاقية ا...

الفترة الانتقالية 2005 – 2011كما أوضحنا في المقال السابق، فقد اتفقت حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان بمقتضى بروتوكول مشاكوس الذي تمّ التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002 على تنفيذ اتفاقية السلام الشامل طبقاً لتسلسلاتٍ زمنيةٍ محدّدةٍ، شملت ثلاث فترات: الفترة قبل الانتقالية، ثم الفترة الانتقالية، وفترة ثالثة تلي الاستفتاء.

وقد نصّت اتفاقية السلام الشامل في وثيقة الاستهلال على أن تبدأ الفترة قبل الانتقالية عند توقيع الاتفاقية، أي في يوم 9 يناير عام 2005.

وحدّد بروتوكول مشاكوس مدة هذه الفترة بستة أشهر، وعدّد المهام التي اتفق الطرفان على إتمامها خلال تلك الفترة.

شملت تلك المهام إنشاء المؤسسات والآليات المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل، ووقفٍ شاملٍ للأعمال العدوانية وإطلاق النار، وإنشاء الآليات الخاصة بذلك، والسعي للحصول على مساعداتٍ دوليةٍ للمساهمة في تنفيذ الاتفاقية، ووضع إطارٍ دستوريٍ لاتفاقية السلام الشامل.

وتبدأ الفترة الانتقالية، بمقتضى البروتوكول، بعد ذلك مباشرةً، أي في 9 يوليو عام 2005، وتستمر لمدة ست سنوات، أي حتى 9 يوليو عام 2011.

كما اتفق الطرفان على عقد الاستفتاء في 9 يناير عام 2011، وأن تكون الستة أشهر الأخيرة من الفترة الانتقالية التي تلي الاستفتاء هي فترة انتقالية أخرى لتنفيذ نتائج الاستفتاء، وحسم المسائل العالقة إذا اختار الجنوب الانفصال.

كما اتفق الطرفان أن تعمل المؤسسات والآليات التي أُنشِئت أثناء فترة ما قبل الفترة الانتقالية، خلال فترة الست سنوات الانتقالية، طبقاً للترتيبات والمبادئ المحدّدة في اتفاقية السلام الشامل.

كانت وفود المقدّمة للحركة الشعبية قد بدأت في الوصول إلى الخرطوم في نهاية يناير عام 2005، بعد أقل من شهرٍ من توقيع اتفاقية السلام الشامل.

وقد تمّ تشكيل فريق العمل الوطني الانتقالي المشترك من عددٍ من قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية للبدء في العمل في تنفيذ اتفاقية السلام الشامل.

كانت واحدة من أوائل التحدّيات التي واجهت الطرفين في الفترة قبل الانتقالية هي إعداد الدستور الجديد بعد أن أجاز مجلس الوزراء والمجلس الوطني اتفاقية السلام الشامل بالإجماع، ووافقت عليها هيئات الحركة الشعبية المختلفة.

رأى بعض القانونيين في الحكومة تعديل دستور عام 1998، والذي كان الدكتور حسن الترابي قد قام بإعداده بنفسه عندما كان رئيساً للمجلس الوطني، وكان ساري المفعول وقتها، ليشمل النقاط والمبادئ الأساسية لاتفاقية السلام الشامل.

من الجانب الآخر، كان رأي قانونيي الحركة الشعبية هو صياغة دستورٍ جديد، يتضمّن كل ما ورد في اتفاقية السلام الشامل، دون التقيّد بنصوص وهيكل دستور عام 1998.

لا بد هنا من التذكير بالنصوص الإسلامية المتعدّدة والمطوّلة التي شملها دستور عام 1998، الذي خطّه الدكتور حسن الترابي بنفسه، والتي تطرّقنا لها ببعض التفصيل في مقالٍ سابق.

بعد أخذٍ ورد، وشدٍ وجذب، تراجعت الحكومة ووافقت على صياغة دستورٍ جديدٍ، وتكوّنت لجنة مشتركة لهذا الغرض.

لكن عمل لجنةالدستور تلك لم يتجاوز النقل الحرفي للبنود الأساسية لاتفاقية السلام الشامل.

اكتمل العمل في الدستور وأجازه المجلس الوطني في الخرطوم في 6 يوليو عام 2005، ثم أجازه مجلس التحرير الوطني للحركة الشعبية في جوبا يوم 7 يوليو عام 2005، ووقّع عليه رئيس الجمهورية في يوم 9 يوليو عام 2005 ليحلَّ محل دستور عام 1998.

وبدأ العمل به من ذلك اليوم تحت مسمى “دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005.

”كان ذلك هو الدستور السابع للسودان، إذا تركنا جانباً الأوامر والقرارات الجمهورية التي حُكِمتْ بمقتضاها البلاد خلال فترات الأنظمة العسكرية الثلاثة، أو خلال جزءٍ منها.

هناك عدّة ملاحظات على دستور عام 2005، أهمها المادة 225 والتي تقرأ“تُعتبر اتفاقية السلام الشامل قد ضُمِنّتْ كلها في هذا الدستور، ومع ذلك فإن أيّ أحكامٍ وردت في اتفاقية السلام الشامل لم تُضمّن صراحة في هذا الدستور تعتبر جزءاً منه.

”هذه المادة تُعطي اتفاقية السلام الشامل السيادة على الدستور.

وبهذا يكون دستور السودان لعام 2005 أول دستورٍ في العهود الحديثة في كل العالم الذي تعلو عليه اتفاقيةٌ أو قانونٌ.

فالدستور في كل الدول وكل العهود هو سيد القوانين جميعها ورمز السيادة عليها، ويجب أن تتناسق القوانين والاتفاقيات معه، وليس العكس.

لم يكن مفهوماً لماذا وافق وفد حكومة الإنقاذ للجنة الدستور على هذا النص الغريب.

وقد أكّد تضمينُ هذه المادة في دستور عام 2005، دون أدنى شكٍ، مقدرات وفد الحركة الشعبية التفاوضية والقانونية والدبلوماسية.

صارت هذه المادة من دستور عام 2005 سابقةً خطيرةً أصر عليها وفد حركات دارفور ونجح في تضمينها في اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020، التي شملت نصاً مشابها للمادة 225 من دستور السودان لعام 2005.

بدأت صباح يوم 9 يوليو عام 2005 المرحلة الانتقالية بالتوقيع على الدستور ودخوله حيز التنفيذ.

أشارت المادة 65 من الدستور الانتقالي على أن يكون الرئيس الحالي للحركة الشعبية لتحرير السودان، أو من يخلفه، النائب الأول لرئيس الجمهورية، ويتولّى في الوقت ذاته منصبي رئيس حكومة جنوب السودان والقائد العام للجيش الشعبي لتحرير السودان.

في ظهر ذلك اليوم وصل الدكتور جون قرنق الخرطوم لأول مرة منذ أن غادرها في شهر مايو عام 1983، متجهاً إلى مدينة بور، حيث انضم إلى كتيبة بور المتمردة، وبرز بعد شهرين قائداً للجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان.

كان استقباله في مطار الخرطوم بلا سابقة في تاريخ السودان، وقدّر البعض مستقبليه بأكثر من مليوني شخص، بينما رفع البعض عدد المستقبلين إلى ضعف ذلك الرقم.

أدّى الدكتور جون قرنق القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية، وأصبح السيد علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية، ليشكّل ثلاثتهم مؤسسة الرئاسة.

كان ذلك اليوم بلا شك يوماً تاريخياً في السودان.

توقّفت الحرب والموت والدمار لأول مرةٍ منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، ودخل القصر الجمهوري أحد أبناء الجنوب بصلاحياتٍ دستوريةٍ واسعةٍ وواضحةٍ، وهو يحمل في جعبته أيضاً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، بما في ذلك حق الانفصال.

كان ذلك أرفع وأعلى منصب دستوري سياسي يتقلّده زعيمٌ جنوبيٌ في تاريخ السودان.

صحيحٌ أن السيد أبيل ألير عمل نائباً لرئيس الجمهورية، جعفر نميري، بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا.

غير أن منصب السيد أبيل ألير لم يكن يحمل أيّة صلاحياتٍ دستوريةٍ حقيقيةٍ مثلما حدث عام 2005، ولم يكن تعيينه أكثر من محاولةٍ لتجميل وجه اتفاقية أديس أبابا.

بعد أدائه القسم، وتعيينه نائباً أول لرئيس الجمهورية في الحكومة المركزية، غادر الدكتور قرنق الخرطوم إلى جوبا لملاقاة قيادة الحركة الشعبية وشعب جنوب السودان من موقعه الجديد، ولإكمال إجراءات إصدار دستور جنوب السودان المؤقت، وليبدأ إجراءات تشكيل حكومة الجنوب ذات الصلاحيات الواسعة، والتي سيكون هو رئيساً لها.

بالإضافة إلى هذين المنصبين، فقد ظلّ الدكتور قرنق رئيساً للحركة الشعبية، وقائداً للجيش الشعبي، مع صلاحياته الواسعة كنائبٍ أول لرئيس الجمهورية في الحكومة المركزية.

بعد تشكيل حكومة الجنوب أصبح الدكتور قرنق رئيس حكومةٍ أشبه بالكونفيدرالية في جنوب السودان، لها جيشها المنفصل والمستقل تحت قيادته، والذي له حق تسليح نفسه.

وقد فتحت الحكومة الجديدة في جوبا بعد شهورٍ قليلةٍ من تكوينها “سفاراتها” في عددٍ من الدول تحت مسمى “مكاتب اتصال”، وبدأت في توقيع اتفاقياتٍ دولية مع شركاتٍ ومنظماتٍ ودول، بما فيها اتفاقيات قروض، دون الحاجة لموافقة الحكومة المركزية في الخرطوم.

وبدأت المنظمات الدولية، بما فيها البنك الدولي، فتح مكاتب لها في جوبا، وتبعتها بعض الدول، بما فيها مصر، بفتح قنصلياتٍ لها هناك أيضاً.

لكن حتى قبل أن يبدأ شهر العسل في الخرطوم، بل حتى قبل أن يباشر دكتور قرنق مهامه كنائبٍ أول لرئيس الجمهورية من الناحية العملية، بدأت الخلافات في البروز والازدياد والتعقيد، وصارت مؤشراً واضحاًَ لما هو آتٍ – دفع الحركة الشعبية في طريق الانفصال.

أوضح الجانب الجنوبي في فريق العمل المشترك لقيادة الحركة الشعبية العائدة إلى الخرطوم أن هناك خلافاتٍ كبيرة في الوزارات التي ستؤول إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.

كانت الحركة ترى أنه يتوجّب أن تؤول إلى الحركة وزارة النفط، أو وزارة المالية، بسبب أن حوالي 75% من نفط السودان يأتي من الجنوب.

ورغم معقولية هذا الطلب، فقد رفضه حزب المؤتمر الوطني الحاكم بشدّة، وأصرّ على أن تؤول إليه الوزارتين معاً باعتبار أنه الشريك الأكبر في الحكم.

وقبل أن تتواصل المناقشات والمفاوضات في مؤسسة الرئاسة حول هذه المسألة، وحول تشكيلة الحكومة ككل، انفجرت قنبلةٌ ضخمةٌ أخرى.

كانت تلك القنبلة هي تسليم لجنة حدود أبيي تقريرها إلى مؤسسة الرئاسة السودانية الجديدة، في يوم 14 يوليو عام 2005.

تمّ ذلك بعد خمسة أيامٍ فقط من استلام الدكتور جون قرنق مهام النائب الأول لرئيس الجمهورية، وبعد يومٍ واحد من عودته من جوبا بعد أدائه القسم رئيساً لحكومة جنوب السودان.

كان الطرفان قد اتفقا على حسم نزاع أبيي بمقتضى بنود اتفاق أبيي الموقّع في 26 مايو عام 2004.

وقد ألزم الاتفاق رئاسة الجمهورية بإنشاء مفوضية حدود أبيي لتحديد وترسيم منطقة مشيخات دينكا نقوك التسعة التي حُوِّلت إلى كردفان سنة 1905.

وقد اتفق الطرفان أن تضمَّ المفوضية خبراء مستقلين، وممثلين عن المجتمعات المحلية والإدارة المحلية، وتنهي أعمالها خلال فترة السنتين الأوليتين للفترة الانتقالية، وتقدّم تقريرها النهائي للرئاسة حال الفراغ منه.

وعند عرض التقرير النهائي عليها تقوم الرئاسة باتخاذ الإجراءات اللازمة مباشرةً لإدخال الوضع الإداري الخاص لمنطقة أبيي حيّز التنفيذ.

أوضح تقرير الخبراء أنه لا توجد خريطة توضّح حدود منطقة أبيي التي تمّ تحويلها إلى مديرية كردفان عام 1905.

كما أنه لا توجد أيّة وثائق توضّح أو تتناول حدود هذه المنطقة.

رفض تقرير الخبراء ادعاء حكومة السودان أن منطقة أبيي هي المثلث الذي يقع جنوب بحر العرب فقط، كما رفض ادعاء الحركة الشعبية أن المنطقة تمتد شمالاً حتى الخط الرابط بين بحيرة كيلاك ومدينة المجلد.

غير أن الحدود التي رسمتها لجنة الخبراء لمنطقة أبيي كانت الأقرب إلى مطلب الحركة الشعبية، إذ امتدت داخل ولاية جنوب كرفان، وشملت مساحةً تصل إلى حوالي 18,600 كيلومتر متر مربع.

وهذه المساحة تساوي أكثر من عشرة أضعاف المساحة التي عرضتها الحكومة، وتقل بحوالي الثلث من المساحة التي طالبت بها الحركة الشعبية.

صُعِقت حكومة الإنقاذ بقرار لجنة الخبراء، وأعلنت على الفور رفضها التام له، وشاركتها هذا الراي بشدّة قبيلة المسيرية.

من الجانب الآخر سعدت الحركة الشعبية وقبيلة دينكا نقوك بهذا القرار، وأعلنتا على الفور قبولهما له.

بل إن الحركة أعلنت أنه بموجب الاتفاقات التي وقّعها الطرفان، فإن قرار لجنة الخبراء نهائيٌ وملزمٌ للطرفين، ولا يمكن لحكومة السودان أو الحزب الحاكم التنصّل منه على الإطلاق.

خلق قرار حكومة الإنقاذ شرخاً عميقاً في عملية السلام والتي كانت ما تزال تتحسّس الطريق لتطبيقها.

ولم يكن لتوقيت القرار أن يكون أسوأ من ذلك التوقيت.

كان اجتماع مؤسسة الرئاسة لمناقشة ذلك التقرير هو الاجتماع الرسمي الأول للمؤسسة، وكان محزناً أن تكون تلك أول مسألة تتداولها الرئاسة حتى قبل أن تتّفق على برنامج عملها وطريقة إدارته، وقبل أن تحاول بناء جسورٍ للثقة بين طرفيها.

أصدرت الحكومة بياناً أعلنت فيه رفضها لقرار لجنة خبراء مفوضية أبيي، وعلّلت رفضها أن اللجنة تجاوزت صلاحيتها المحدّدة في اتفاق أبيي، ولم تعيّن الحدود كما كانت في عام 1905، بل ذهبت أبعد من هذا وأخذت في الاعتبار تطوراتٍ وأحداث وقعت في المنطقة بعد عام 1905.

ذهبت قبيلة المسيرية أبعد من هذا وأعلنت ليس فقط رفضها للقرار، بل التعبئة العامة وسط مقاتليها لرفض القرار وإيقاف تنفيذه.

من الناحية الأخرى أعلنت الحركة ترحيبها بالقرار وطالبت الحكومة بقبوله فوراً، وأوضحت أن هذا الرفض يمثّل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية السلام الشامل.

شاركت قبيلة دينكا نقوك الحركة الشعبية في الترحيب بالقرار.

وهكذا بدأت الفترة الانتقالية بدايةً متعثّرة، وانتهى شهر العسل قبل أن يبدأ.

لم تنتقل الحكومة إلى مسألة تعيين الإدارة المؤقتة لمنطقة أبيي لأن حدود المنطقة لم يتم الاتفاق عليها، كما لم يكن ممكناً الحديث، بسبب هذا الخلاف، عن توزيع عائدات نفط منطقة أبيي كما أوضح اتفاق أبيي.

اًصبح واضحاً أن نزاع أبيي بدأ وسيظل المهدّد الأول لاتفاقية السلام، ولمجمل العلاقات بين الشمال والجنوب.

كما أن رفض مجموعة الإنقاذ لتقرير الخبراء قد عكّر جو التفاوض العام مع الحركة الشعبية، وأصبح الاتفاق على أي أمرٍ آخر بعد ذلك في غاية من الصعوبة.

وضحت هذه التداعيات عندما عاود الطرفان التفاوض حول تقاسم الوزارات وتشكيل الحكومة الجديدة.

واصلت الحركة مطالبتها بوزارة المالية، أو وزارة النفط، باعتبار أن حوالي 75% من النفط في السودان يتمُّ استخراجه وإنتاجه في جنوب السودان، وأن أكثر من 70% من عائدات الدولة من العملات الأجنبية يأتي من النفط.

رفضت حكومة الإنقاذ ذلك الطلب، وأصرّ قادتها أنه بحكم أن حزب المؤتمر الوطني هو الشريك الأكبر بنسبةٍ تصل إلى حوالي ضعف نسبة الحركة، فإن من حقِّ الحزب التمسّك بالوزارتين.

كان ذلك الموقف يمثل قصر نظرٍ كبيرٍ من حكومة الإنقاذو الحزب الحاكم.

فما هو الجاذب في الوحدة التي تأخذ نصف نفط الجنوب، ثم ترفض أن تعطي النصف في إدارته وإدارة عائداته إلى ممثلي جنوب السودان؟أجّل هذا الخلاف تكوين الحكومة لبعض الوقت.

وقد وافقت الحركة الشعبية في نهاية شهر سبتمبر على ترك الوزارتين للمؤتمر الوطني، ولكن كانت تعليقات قيادة الحركة أن هذا الوضع العبثي سينتهي بنهاية الفترة الانتقالية.

وإذا كانت الحركة الشعبية تبحث عن مبرراتٍ للانفصال، فقد أعطاها هذا والعناد والظلم والإصرار من المؤتمر الوطني على أخذ الوزارتين إحدى تلك المبررات القوية.

قبل أن تفيق البلاد من هذين الخلافين الحادين، خصوصاً مفاجأة تقرير مفوضية حدود أبيي، صُدِمت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، بنبأ مقتل الدكتور جون قرنق.

حدث ذلك إثر تحطّم الطائرة الرئاسية اليوغندية التي كان عائداً بها من اجتماعٍ في كمبالا مع الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني في يوم 30 يوليو عام 2005، أي بعد حوالي الثلاثة أسابيع من عودته إلى الخرطوم وتوليه مهام النائب الأول لرئيس الجمهورية.

كان وقع الخبر كالصاعقة التي عمّت البلاد من كل أطرافها.

اندلعت أعمال عنفٍ شديدة في الخرطوم بسبب اعتقاد بعض أبناء الجنوب أن للحكومة يداً في انفجار الطائرة.

وقد تعاملت الجهات الأمنية بحدّة مع أعمال العنف، وقُتِل العشرات من الذين شاركوا فيها، وكان جُلّهم من أبناء الجنوب.

كان مقتل الدكتور قرنق، واندلاع أعمال العنف، ومقتل العشرات خلالها، وتقرير لجنة خبراء مفوضية أبيي والخلافات حول وزارتي النفط والمالية مؤشراتٍ سلبية واضحة على ما هو آتٍ في السنوات الستة القادمة، وعلى بقاء السودان موحّداً.

استلم السيد سلفا كير المهام التي كان يشغلها الدكتور قرنق – النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، ورئيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – في بداية أغسطس عام 2005.

كانت هناك قناعةٌ عامة وسط السودانيين الشماليين والجنوبيين، خصوصاً المتعاطفين مع الحركة الشعبية في شمال السودان، أن شعار السودان الجديد، أو ما تبقّى منه بعد بروتوكول مشاكوس واتفاقية السلام الشامل، قد تمّ دفنه مع جثمان الدكتور جون قرنق في جوبا في الأيام الأولى من شهر أغسطس عام 2005.

فالرئيس الجديد للحركة الشعبية، وأفراد طاقم القيادة الجديد الذي بدأ نجمه في الصعود معه، لم يكونوا حتى من الذين يتناولون موضوع السودان الجديد أو وحدة السودان في أحاديثهم العامة.

وبدأ نجم الذين ارتبطوا بالدكتور قرنق وشعار السودان الجديد (أو ما تبقّى منه) في الأفول.

مرّ شهر أغسطس كله في التفاوض من أجل تشكيل الحكومة.

كان حزب المؤتمر الوطني مصراً على الاحتفاظ بمهام وزارتي النفط والمالية.

كان تصريح السيد سلفا كير أن الحركة الشعبية لن تعود للحرب بغرض الحصول من واحدٍ من هذين المنصبين لأن الزمن في صالحها، دليلاً قوياً على أن الحركة ترى مسألة عودة العائدات المالية من نفط جنوب السودان مسألة زمنٍ فقط، لا أكثر ولا أقل.

فقد كان ذلك الخلاف حافزاً آخر للحركة للانفصال لتنال كل عائدات نفطها، وتديرها بنفسها.

غير أن قيادات الحركة الإسلامية لم تعر اهتماماً لتلك التصريحات الواضحة.

ترى لماذا تجاهلت مجموعة الإنقاذ تلك التصريحات التحذيرية الواضحة؟ ؟وهكذا برزت وتصاعدت الخلافات بين طرفي اتفاق نيفاشا، خصوصاً بعد مقتل الدكتور قرنق وتسلّم السيد سلفا كير مهام الدكتور قرنق.

وقد كانت زيارة السيد سلفا كير للولايات المتحدة الأمريكية، بعد أسابيع قليلة من تسلمه مهام الدكتور قرنق، فرصةً لتوضيح مواقف الحركة الشعبية تحت قيادتها الجديدة في القضايا العالقة، خصوصاً الاستفتاء القادم، ومستقبل العلاقات بين شطري البلاد.

فقد كانت تلك أول زيارةٍ له خارج السودان.

غير أن ما أبرزته تلك التطورات المتسارعة السالبة في العلاقات بين الطرفين، وما أدلى به السيد سلفا كير من تصريحاتٍ وتوضيحاتٍ ووعودٍ في واشنطن، كانت كلها مؤشراتٍ قوية توضح أن الانفصال آتٍ لا محالة، وأن السؤال الحقيقي هو إن كان الانفصال سيتم بصورةٍ سلميّةٍ، ام ستصاحبه أحداث عنفٍ وتعود الحرب الأهلية إلى السودان مجدداً؟سوف نناقش هذه التطورات المتسارعة السالبة، وزيارة السيد سلفا كير لواشنطن في شهر نوفمبر عام 2005، والندوة الهامة التي عقدتها الحركة الشعبية خلال تلك الزيارة، في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك