بقلم: ميل براون Mill Brownترجمة: بدر الدين حامد الهاشميتقديم: هذه ترجمة لمقال صحفي نُشِرَ في العاشر من أغسطس 2021م بصحيفة التلغراف (The telegraph) البريطانية بقلم مراسلها في أفريقيا ميل براون Mill Brown.
عن أوضاع السكة حديد في مدينة “الحديد والنار”.
وبالمقال العديد من الصور الملونة للعمال وللورش، مع صورة لمدير السكة حديد المهندس وليد محمود أحمد وهو يقف أمام المنزل الفخم الذي كان يسكنه آخر مدير بريطاني (قام بالتصوير سايمون تاونسيلي Simon Townsley).
وعنوان المقال الأصلي لا يخلو من إطالة، وترجمته هي: ”أيمكن لشبكة السكك الحديدية الكلولونيالية المتهالكة في السودان أن تساعد البلاد لاستعادة مسارها الصحيح؟ ”، مع عنوان جانبي هو: “إن إعادة ثالث أكبر شبكة قطارات في أفريقيا لسابق عهدها من التَأَلُّق والازدهار قد تمثل شريان حياة بالغ الحيويةً للملايين”.
جلست على ضفاف النيل بجانب وليد محمود أحمد، مدير عام السكة حديد، وهو يخفى ضحكات ساخرة، في دار مدير عام السكة حديد في عهدها الكلولونيالي، وهو يشرح لي ما يقع على عاتقه من مهام جسام، ونحن نحتسي الشاي المفرط الحلاوة مع بعض قطع البسكويت “السادة”.
يجب عليه أن يجد سبيلاً لإعادة الحياة لثالث أكبر شبكة سكك حديدية في أفريقيا، وإرجاع واحدة من أكثر مؤسسات بلاده مدعاةً للفَخَارلسابق عهدها ومجدها القديم.
يقول المدير العام إن “الوضع سيء جداً؛ فقد دمرت سياسات النظام السابق جزءاً كبيراً من شبكة السكك الحديدية بالبلاد” (قد يرى البعض أن تدهور السكة حديد قد بدأ باضطراد قبل سنوات من ذلك العهد.
المترجم).
وفي الشهر الماضي، أعلن السودان عن خطة بقيمة نصف مليار جنيه لتحديث شبكة السكك الحديدية المتهالكة، التي كانت قد أُنْشِئَتْ لأول مرة قبل أكثر من قرن على يد الكلولونيالين البريطانيين الغزاة.
وتُعتبر هذه الخطوة جزءاً من خطة الحكومة الجديدة لإعادة بناء الدولة بشكل جذري في أعقاب انتهاء حقبة دكتاتورية البشير بعد قيام ثورة عام 2019م.
أفاد برنامج الأغذية العالمي لصحيفة “التلغراف” بأن وجود شبكة سكك حديدية فعالة في هذه المنطقة من العالم قد يمثل “شريان حياة” للملايين، إذ أنه سيساعد العاملين في المجال الإنساني على إيصال الغذاء إلى الجوعى في دارفور وجنوب السودان والتيغراي.
يرى مصطفى أحمد فضل – مدير متحف صغير للسكة حديد في مدينة أتبرا (التي تُعد “تقاطعاً” رئيسيا للسكك الحديدية، وتقع على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من مقر إقامة كولونيالي فخم آخذ في التداعي) – أن تاريخ السودان الحديث يمكن أن يُسْرَدُ من خلال قصة بناء خطوط سككه الحديدية (1).
وذهب مصطفى أحمد فضل إلى أن متحفه يروي قصة إنشاء بعض خطوط السكك الحديدية الأولى ذات المسار الضيق narrow – gauge انطلاقا من القاهرة، وذلك على يد الجيش الإنجليزي- المصري الغازي بقيادة الجنرال “هـيربرت كتشنر” في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر.
وقد استخدم كتشنر القطارات لإمداد قواته أثناء زحفها عبر الصحراء.
وحين وصلت تلك القوات إلى مشارف عاصمة الدولة المهدية (في الأصل الخرطوم! المترجم)، أجهزت بمدافعها الرشاشة على اثني عشر ألفاً من جنود المهدية – الذين كانوا يفتقرون إلى التجهيزات الكافية – وضُمَّتْ تلك البلاد الشاسعة إلى الإمبراطورية البريطانية.
وبعد نحو ستين عاماً، جاء الرد من عمال سكك حديد السودان؛ إذ طالب عشرات الآلاف من أعضاء نقابة عمال السكك الحديدية بالحرية، مما جعل بريطانيا في موقف لا يُمكِن الدِّفاع عنه.
قال مدير متحف السكة حديد وهو يسارع بالدخول للمبنى لتفادي عاصفة رملية قادمة إن “التغيير في السودان يبدأ دوما من هنا… في أتبرا”.
قال لي وهو يحمل بين يديه كتلة من الفحم: ”هل رأيت هذه؟ إنها من بارنسلي Barnsley (2).
لقد كانت محركات قطارات البخار تستخدم مثل ذلك الفحم”.
وفي يوم استقلال السودان عن بريطانيا في الأول يناير من عام 1956م، كانت هناك نحو 2,500 ميلا (تعادل4,023.
36 كيلومتر) من خطوط السكة حديد التي كانت تعبر الصحاري وتشق الوهدان، وكانت القطارات تأتي من مناجم الذهب في غرب السودان، ومن حقول القمح ومزارع القطن في الشرق وتتجه إلى البحر الأحمر، وكانت السكة حديد هي من ربطت أجزاء “السودان الجديد” ببعضها البعض.
ولما جاء البشير للسلطة في عام 1989م منح جنرالاته حق احتكار مربح لشَاحِنَات النَّقْل (3) وعمل على تفكيك التماسك الهيكلي لنقابة عمال السكة حديد وعلى تدميرها، وترك تلك المصلحة تصدأ في ضباب كثيف من الفساد وسوء الإدارة.
وبعد إزاحة البشير عن السلطة كانت حكومة السودان الانتقالية تأمل في تنشيط اقتصاد البلاد الراكد، وفي ربط الخطوط القديمة بإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، وهي دول لا منفذ لها على البحر (landlocked).
وقد أفادت بعض التقارير أن الصين وبنك التنمية الأفريقي وشركات خليجية لم تُكشف هويتها أبدت اهتماماً بهذا المشروع الضخم.
وتطمح الحكومة في نهاية المطاف إلى تغيير مسار السكة الحديدية الضيق narrow – gauge في كل السودان إلى مسار أعرض لتماثل مسارات السكة حديد بمصر وكينيا.
ولا يُمكن المبالغة في وصف ضخامة هذا التحدي الكبير.
أما حظائر (hangers)/ ورش القطارات التي تعود إلى حقبة الكلولونيالية البريطانية في أتبرا، والتي كان تُعتبر مركزاً حيوياً يعج بالنشاط، فتبدو حالياً أشبه بمقابر منها بورش عمل.
يندفع عشرات المهندسين والفنيين -الذين ينتعلون شباشب flip – flops- بين أكوام ضخمة من الخردة المعدنية وعربات القطار المعطلة، وهم يمسحون العرق باستمرار عن جباههم وسط حرارة تبلغ 46 درجة مئوية.
وتقبع محركات قطارات مستوردة من ألمانيا والولايات المتحدة والهند والصين بلا حراك، وقد غطتها طبقات من الرمال والأتربة المتراكمة عبر السنوات؛ إذ أن معظمها كان قد تعطل تماماً ولم يعد بالإمكان إصلاحها، مع كميات كبيرة من زجاج الوابورات الأمامي المكسر، والمحركات المحطمة الصدأة.
وعلى الرغم من وجود نحو 130 قاطرة في البلاد، إلا أن عدداً قليلاً منها فقط لا يزال صالحاً للعمل؛ فقد جعلت العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ أكثر من عقدين الحصول على قطع الغيار من الأمور البالغة العسر.
ويقول المهندسون في ورشة الصيانة إنهم يضطرون لشراء مستلزمات مستعملة من دول مثل رومانيا وكوريا الجنوبية، وغالباً ما يجدون أنفسهم ضحايا لصفقات مشبوهة.
لقد اِسْتَحَالتَ نحو نصف شبكة السكة حديد إلى حطام؛ ففي العديد من المواقع التي يُفترض أن يعمل فيها الخط، صارت سرعة القطارات لا تتجاوزَ 10 أميال في الساعة خشية خروجها عن المسار، مما يجعل عبور البلاد يستغرق أكثر من أسبوع.
ومن جانبها، ظلت هيئة السكك الحديدية تواجه صعوبة بالغة في توفير الوقود اللازم لتحريك القطار لمسافة 300 متر، أو حتى دفع رواتب العاملين بها، لدرجة أنهم يضطرون غالباً إلى بيع الخردة المعدنية لشراء الطعام.
ويقول أحد العمال متذمراً: “عندما كنت طفلاً، كان بإمكان المرء ضبط ساعته على مواعيد القطارات؛ فقد كانت دقيقة للغاية وتصل في موعدها المحدد بالدقيقة، أما الآن، فتنطلق القطارات متى شاءت”.
ويضطر “برنامج الأغذية العالمي” إلى إرسال آلاف شحنات المساعدات الغذائية عبر طرق السودان السريعة الخطرة، التي تكتظ بشاحنات محترقة أو منقلبة؛ ولهذا السبب، قادت المنظمة جهوداً حثيثة لإعادة تأهيل قطاعات عدة من شبكة السكك الحديدية على مدار السنوات القليلة الماضية.
ويعتزم البرنامج إنفاق عشرات الملايين من الجنيهات لمساعدة الحكومة السودانية في إصلاح وتجديد مائة من محركات وعربات القطارات، وإصلاح وتحديث أنظمة الإشارات، وتدريب كوادر فنية جديدة.
ويقول إيدي رو Eddie Rowe، مدير برنامج الأغذية العالمي في الخرطوم:“سيغدو نظام النقل بالسكك الحديدية المُحدَّث شريان حياةٍ لسلسلة الإمداد الغذائي في جميع أنحاء السودان وخارجه”.
ومن شأن إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية الرئيسية أن تجعل عمليات نقل الطعام والمساعدات الغذائية المنقذة للحياة أسرع وتيرةً، وأقل تكلفة، وأكثر أماناً، وغير مؤذية للبيئة؛ مما سيمكن البرنامج من إنقاذ الأرواح وإحداث تغيير إيجابي في حياة الناس.
إنه استثمار منطقي يتوافق مع الفطرة والإدراك السليمين، وهو بالغ النفع لشعب السودان وللحكومة والمنطقة بأسرها (4).
قال لنا عبد الرحمن إدريس أحمد ناظر محطة أتبرا وهو جالس في صالة يَعْلُوها الغُبَار مخصصة للمنتظرين من الركاب وهو ينظر في حسرة بائنة لرصيف القطار المهجور:“في الماضي كان يمر بهذه المحطة يومياً نحو ثلاثين قطاراَ.
أما الآن فقد نرى في بعض الأيام بعض “قطارات البضاعة” المتجهة نحو الخرطوم.
وفي أيام أخرى لا نرى أي قطار”.
وأضاف ناظر المحطة قائلاً: “أتمنى أن تستثمر بريطانيا هنا، فهي أول من أقام هذه المؤسسة العظيمة.
لقد أدت السكة حديد – عبر سنوات طويلة – دوراً كبيراً في انفتاح البلاد، وتوسيع آفاق الناس ومداركهم.
أوضاع السكة حديد ليست جيدة في الوقت الحالي، ولكننا نبذل جهداً كبيراً لتحسينها”.
1/ يمكن النظر في كتاب ريتشارد هل المعنون “المواصلات في السودان”، الذي تُرْجِمَ حديثاً للغة العربية، وعدة مقالات مترجمة عن السكة حديد منها مقال” الدم والحديد والذهب: كيف غيرت السكة حديد العالم” عن كتاب نُشِرَ عام 2009م عن تاريخ إنشاء السكة حديد بالسودان https: //shorturl.
at/hoTcl، ومقال باللغة الإنجليزية للأستاذ عبد المنعم خوجلي تُرْجِمَ بعنوان السكة حديد طورت السودان “وكثيراً” https: //shorturl.
at/8nyDL2/ بارنسلي Barnsley (الواقعة بين بين مدينتي شفيلد وليدز) هي بلدة سوق تاريخية كبيرة تقع في مقاطعة يوركشاير الجنوبية بإنجلترا.
3/ لم يورد الكاتب في هذه النقطة أي دليل أو مثال يثبت ما أتى به.
4/ يمكن النظر في ما ورد في صحيفة “السوداني” في سبتمبر 2021م عن “منظمة الأغذية العالمية وسكك حديد السودان” في هذا الرابط: https: //alsudaninews.
com/؟ p=137695.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك