بدا الاجتماع الرباعي الذي عقده مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا مسعد بولس، في القاهرة السبت الماضي، مع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية، بمثابة محطة تحول في المبادرة الأميركية للحل في ليبيا، التي رأت واشنطن أنها وصلت إلى مرحلة تتويج مسارها بالدفع نحو تشكيل سلطة مشتركة تضم الفاعلين الرئيسيين في طرابلس وبنغازي.
فبعد هذا اللقاء تحولت ليبيا سريعاً إلى وجهة لرئيسي جهازي المخابرات المصري حسن رشاد والتركي إبراهيم قالن، وهما أكثر دولتين معنيتين بالملف الليبي وتأثراً به.
وكأن الرسالة التي أراد الطرفان إيصالها هي أن ليبيا لا تزال، في جوهرها، مسألة أمنية.
من الواضح أن واشنطن تدرك أهمية هاتين الدولتين في الملف الليبي، فجاء اجتماع مسعد بولس مع قادة الدبلوماسية فيهما بهدف تثبيت حضور مبادرته في المشهد الإقليمي، وحشد الدعم لتحريك مسار التسوية.
لكن التصريحات التلفزيونية التي أدلى بها عقب الاجتماع عكست طبيعة نتائجه، إذ قال إن الترحيب بالمبادرة كان" بتحفظ".
وهو بالفعل ما تعكسه أيضاً محطات زيارة رئيسي المخابرات المصري والتركي.
ففي اليوم التالي للقاء في القاهرة زار رشاد طرابلس، الخصم التقليدي لمعسكر شرق البلاد الأقرب إلى سياسات بلاده، والتقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وبالعكس بدأ رئيس قالن زيارته إلى ليبيا من بنغازي بلقاء صدام حفتر.
وكان واضحاً أن الجانبين توجها إلى الشخصيتين الرئيسيتين على طاولة بولس، وأن كلاً منهما انخرط بصورة أقرب إلى الجانب المخالف لحليفه التقليدي.
صحيح أن واشنطن تتحدث عن خطوات سياسية ومؤسسية بعد أن رأت أنها حققت اختراقات مهمة في الملفين الاقتصادي والعسكري، من خلال جمع قادة السلطة في طرابلس وبنغازي لتوقيع اتفاق توحيد الميزانية والمشاركة في المناورات العسكرية التي رعتها" أفريكوم" في سرت منتصف إبريل/نيسان 2026، ورأت أن الوقت صار مناسباً للانتقال نحو تشكيل سلطة موحدة منهما، لكن الرسائل المصرية والتركية جاءت سريعاً للتأكيد أن المسألة ليست بالبساطة التي تراها واشنطن.
فقد كانت الاستجابة للقاء الذي أراده مسعد بولس في القاهرة على مستوى وزراء الخارجية فيما كان التعامل الميداني على مستوى رؤساء أجهزة المخابرات، والرسالة أن الملف الليبي لم يتجاوز سياقه الأمني بعد، وأن أي مقاربة لا تأخذ في الحسبان هذا البعد ستظل عاجزة عن إنتاج تسوية مستقرة.
تركيا لا تثق تماماً بمعسكر خليفة حفتر، وإن أبدت انفتاحاً كبيراً عليه خلال السنوات الماضية.
ومصر كذلك لا تزال تنظر بحذر إلى طرابلس.
وبالنظر إلى أهم الملفات المتصلة بالبعد الأمني نجد أنها السلاح والحدود الجنوبية والهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب وموازين القوة العسكرية على الأرض وغيرها.
ومن خلال هذه الملفات يمكن تصور الأسئلة التي طُرحت على طاولة بولس في القاهرة: كيف يمكن الحديث عن سلطة تنفيذية موحدة بين قوى لا يزال مستوى التنافس بينها مرتفعاً؟ وكيف يمكن تجاوز ملفات حساسة كالسلاح والحدود والهجرة غير الشرعية والنفط والتهريب، وهي جميعها أدوات نفوذ وأوراق قوة استخدمتها هذه الأطراف للحفاظ على مواقعها وتثبيت وجودها على الأرض؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك