العربي الجديد - فينيسيوس يرقص السامبا على إيقاع أرقام الظاهرة في المونديال الجزيرة نت - ترمب: أردوغان كاد ينخرط في الحرب بجانب إيران وسأحضر قمة الناتو احتراما له القدس العربي - مونديال 2026.. المغرب يحبط مفاجآت هايتي برباعية مثيرة قناة التليفزيون العربي - أحدها تجاوزت قوته 7 درجات.. أكثر من زلزال يضرب عاصمة فنزويلا وأنباء عن انهيار مبان وسقوط ضحايا فرانس 24 - مونديال 2026: المغرب يفوز بشق الأنفس على هايتي 4-2 ويتأهل إلى دور الـ32 وصيفا للمجموعة الثالثة قناة الجزيرة مباشر - Ukraine Strikes Crimea as Russia Expands Control in Donetsk and Sumy الجزيرة نت - المغرب يتفوق طولا وعرضا على هايتي.. ووهبي مطالب بتعديلات في دور الـ32 وكالة سبوتنيك - كيف ساهمت الصين في امتصاص صدمة الطاقة العالمية فرانس 24 - مونديال 2026: البرازيل تتأهل إلى دور الـ32 في صدارة المجموعة الثالثة بفوزها على اسكتلندا 3-0 العربي الجديد - موجة الحرّ تُشعل تكاليف الكهرباء في أوروبا
عامة

فيلم "الخرطوم"... الذكريات حين تكون موقع تصوير

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة
1

عندما بدأ العمل على فيلم" الخرطوم" في أواخر عام 2022، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول المشروع نفسه إلى جزء من الحكاية التي يرويها. كان الفيلم يتتبع الحياة اليومية في العاصمة السودانية بعد الثورة، من خلال خم...

عندما بدأ العمل على فيلم" الخرطوم" في أواخر عام 2022، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول المشروع نفسه إلى جزء من الحكاية التي يرويها.

كان الفيلم يتتبع الحياة اليومية في العاصمة السودانية بعد الثورة، من خلال خمس شخصيات تنتمي إلى عوالم اجتماعية مختلفة: موظف مدني، وبائعة شاي، وشابان يعيشان من جمع البلاستيك، وناشط في لجان المقاومة.

الكاميرا كانت منشغلة بتفاصيل العمل والشارع والعلاقات اليومية، أكثر من انشغالها بالأحداث الكبرى.

ثم جاءت الحرب في إبريل/ نيسان 2023، وتوقفت الحكاية في منتصفها.

من هنا تنبع فرادة الفيلم الذي أخرجه كل من أنس سعيد وراوية الحاج وإبراهيم سنوبي وتيميا محمد أحمد، بالتعاون مع فيل كوكس، فالحرب لم تغيّر حياة الشخصيات فحسب، بل غيّرت الفيلم نفسه.

المشروع الذي بدأ وثائقياً يعتمد على المراقبة المباشرة، وجد نفسه أمام واقع لم يعد قابلاً للتصوير بالطريقة التي خُطط لها.

توقفت الكاميرات، وغادر المشاركون السودان، وانتقلت عملية الإنتاج إلى نيروبي، حيث أُعيد بناء أجزاء من الفيلم بوسائل مختلفة تماماً عن تلك التي بدأ بها، وهذه النقلة تمنح" الخرطوم" تماسكه الداخلي.

لم تُختر الشخصيات التي نتابعها في العمل لأنها تمثل الحرب أو النزوح، بل لأنها كانت موجودة قبل اندلاع القتال.

لذلك، يبدو ما يحدث لها امتداداً لمسار بدأ قبل الأزمة الأخيرة.

بائعة الشاي التي كانت تحاول تأمين متطلبات يومها، والموظف الذي يعيش تحت ضغط واقع اقتصادي وسياسي مضطرب، والطفلان اللذان يعملان في جمع البلاستيك، والناشط الذي يربط مستقبله بمصير الحراك المدني؛ جميعهم كانوا يتحركون داخل مساحة من الهشاشة قبل أن تصل الحرب إلى حياتهم.

ولهذا، لا تبدو الحرب نقطة بداية بقدر ما تبدو لحظة تكشف ما كان قائماً أصلاً.

هذا كله يمنح الفيلم بعداً اجتماعياً واضحاً من دون الحاجة إلى تأكيده لفظياً، فالمدينة تظهر من خلال من يعيشون على أطرافها أكثر مما تظهر من خلال مؤسساتها أو نخبها السياسية.

فيما الاقتصاد غير الرسمي، والعمل الهش، والانتظار الطويل، ومحاولات التمسك بحياة مستقرة وسط واقع متقلب، كلها عناصر تحضر في النصف الأول من الفيلم قبل أن تتحول فجأة إلى أسئلة تتعلق بالبقاء نفسه.

يبدأ" الخرطوم" بعد مغادرة السودان، بالبحث عن شكل جديد يواصل من خلاله الحكاية.

الشاشة الخضراء والرسوم المتحركة وإعادة تمثيل الذكريات، كلها تبدو نتيجة مباشرة لغياب المكان.

فالمنازل والشوارع والغرف التي كانت جزءاً من الحياة اليومية لم تعد متاحة أمام الكاميرا، ولم يبقَ منها سوى ما تحمله الشخصيات في ذاكرتها.

وهكذا تصبح الذاكرة مادة الفيلم الأساسية، لا الحدث وحده.

في بعض المشاهد، يعيد المشاركون بناء لحظات عاشوها فعلاً.

يقفون أمام فضاء فارغ ويستحضرون أماكن لم يعودوا قادرين على الوصول إليها.

لا يحاول الفيلم إخفاء الطابع المصطنع لهذه الصور، بل يضعه في المقدمة.

المشاهد يعرف أنه لا يرى المكان الحقيقي، لكنه يرى محاولة لاستعادته.

وبين الشهادة وإعادة التمثيل، تنشأ واحدة من أكثر طبقات الفيلم إثارة للاهتمام، إذ تتحول عملية التذكر نفسها إلى جزء من السرد.

يمنح هذا التداخل بين الوثائقي والأدائي الفيلم مرونته البصرية، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً حول طبيعة الحقيقة التي يمكن للسينما التقاطها بعد الحرب.

فـ" الخرطوم" لا يملك صوراً مباشرة لكل ما حدث، ولا يدّعي امتلاكها.

بدلاً من ذلك، يبني روايته من بقايا صور وذكريات وشهادات وأماكن معاد تشكيلها.

هنا، يحاول العمل الاقتراب مما تبقى من ذلك الواقع.

سياسياً، يبقى السودان حاضراً في خلفية كل مشهد تقريباً.

سقوط نظام عمر البشير، وتعثر المرحلة الانتقالية، والانقلاب العسكري، ثم الحرب، كلها عناصر تشكل الإطار الذي تتحرك داخله الشخصيات.

لكن الفيلم لا يتوقف طويلاً عند شرح هذه المحطات أو تفكيكها.

الاهتمام ينصب على نتائجها أكثر من أسبابها؛ على ما تفعله في حياة الناس لا على تفاصيل الصراع نفسه.

لهذا، يشعر المشاهد يأن السياسة موجودة في كل مكان، حتى عندما لا تُذكر مباشرةً.

هذا الخيار يمنح الشخصيات مساحة أكبر، لكنه يترك بعض الفراغات لمن لا يعرف السياق السوداني مسبقاً.

فالفيلم يفترض إلى حد ما معرفة أساسية بالخلفية السياسية، وينشغل أكثر بما جرى للناس بعدما وصلت تلك الأحداث إلى حياتهم اليومية.

لذلك، تأتي قوة العمل من قدرته على التقاط الأثر الإنساني والاجتماعي للتحولات السياسية، بعيداً عن الشرح التاريخي.

ومع انتقال الأحداث إلى المنفى، لا تتغير الأسئلة بقدر ما يتغير شكلها.

الخرطوم تستمر في الحضور عبر الأغاني والذكريات والقصص ومحاولات إعادة بناء الأماكن المفقودة.

المدينة التي كانت فضاءً مادياً في بداية الفيلم، تتحول تدريجياً إلى مساحة ذهنية يعيشها المشاركون من بعيد.

وحتى عندما تبتعد الكاميرا عنها جغرافياً، تظل مركز السرد ومحوره الأساسي.

ما يلفت في" الخرطوم" أن الحرب لا تبتلع كل شيء.

فإلى جانب الخسارة والنزوح، تبقى هناك مساحة للموسيقى والمزاح والذكريات واللحظات العابرة التي تصنع الحياة اليومية.

هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الشخصيات حضوراً يتجاوز كونها شهوداً على مأساة، وتمنح الفيلم توازنه وسط مادة ثقيلة بطبيعتها.

قد تبدو أهمية" الخرطوم" مرتبطة بالطريقة التي حوّل بها أزمة إنتاجه إلى جزء من لغته السينمائية.

فالمدينة التي تعذر تصويرها عادت إلى الشاشة عبر الذاكرة، والفيلم الذي تعطّل بسبب الحرب وجد شكله الجديد داخل آثار ذلك التعطل نفسه.

وبين الخرطوم الحاضرة في اللقطات الأولى، والخرطوم التي يعاد بناؤها لاحقاً من الذكريات والصور الناقصة، تتشكل واحدة من أكثر التجارب الوثائقية العربية إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك