لم يكن اسم الأكاديمي الفرنسي فلوران مونتكلير معروفاً خارج نطاقه المحلي، قبل أن يظهر فجأة عام 2015 في الصحافة الفرنسية مرشحاً لنيل جائزة، قيل إنها تعادل" نوبل" في تخصصه.
بعد ذلك بعام، نُظّم حفل داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، في حضور شخصيات عامة، لتسليمه الميدالية الذهبية في فقه اللغة من جمعية دولية تحمل الاسم نفسه، باعتباره أول فرنسي ينالها.
حتى تلك اللحظة، كان كل شيء يبدو مقنعاً، فأمامنا اسم مؤسسة دولية، وتاريخ مفترض للجائزة، وقائمة فائزين تضم أسماء لامعة مثل أومبرتو إيكو ونعوم تشومسكي.
غير أن ما سيظهر لاحقاً هو أن كل هذه البنية لم تكن سوى بناء افتراضي، فالجمعية الدولية لفقه اللغة لا وجود لها خارج الإنترنت، والجامعة الأميركية المرتبطة بها عنوانها يعود إلى شركة خدمات، أما الميدالية نفسها فقد اشتراها مونتكلير من صائغ في باريس مقابل 250 يورو.
لم تكن الجائزة سوى كذبة، غير أنها كذبة مشغولة بعناية تامة، حتى أن مونتكلير نفسه بدأ بتصديقها.
هكذا صرح المدعي العام الفرنسي بول إدوار لالوا لصحيفة ذا غارديان البريطانية في تغطيتها الفضيحة، مضيفاً أن الأمر برمته يصلح أن يتحول إلى مسلسل أو فيلم مشوق.
غير أن جوهر المسألة، كما يراها الادعاء، لا يكمن في اختراع الجائزة بحد ذاته، بل في استخدامها لتحقيق مكاسب ملموسة.
فأي شخص يمكنه أن يمنح نفسه ميدالية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الميدالية إلى اعتراف مهني فعلي، وهو ما اعتبره شكلاً من الاحتيال الفكري القائم على إقناع الآخرين بامتلاك مكانة أكاديمية لا وجود لها.
لماذا يخاطر أكاديمي بمسيرته عبر تضخيم إنجاز أو اختراع جائزة؟لكن الأمر بدأ يتكشف، عندما مُنحت الجائزة لأكاديمي روماني عام 2018، إذ تشكك في الأمر صحافيون رومانيون.
وحين تتبعوا التفاصيل اكتشفوا أن المؤسسات المرتبطة بالجائزة المتخيّلة مجرد مواقع إلكترونية موجودة في فرنسا، ومن هنا، بدأت خيوط القضية تتفكك.
إن البعد الأكثر إثارة في القضية يكمن في الكيفية التي مُررت بها هذه الرواية المزيفة.
فكيف يمكن لكيان غير موجود أن يحظى بكل هذا الاعتراف؟ وكيف تمر جائزة وهمية عبر مؤسسات وإعلام وشخصيات عامة دون أن تُطرح أسئلة جدية حولها؟ التغطيات الصحافية التي تحدثت عن الجائزة المتخيّلة قبل افتضاح الأمر احتفت جميعها بالأكاديمي الفرنسي دون التحقق من الأمر، ما ساهم في ترسيخ الكذبة وتداولها، حتى داخل الدوائر الأكاديمية.
إلى جانب الإعلام هناك بنية رقمية تسمح بإنتاج مؤسسات وهمية عبر بضعة مواقع إلكترونية ذات واجهات جذابة.
ومع وجود أسماء دولية مرموقة ولجان تحكيم قد تضم شخصيات معروفة، يكتسب هذا الوهم بعض التماسك.
ومع غياب التدقيق، أو الاكتفاء بالمظهر، يتحول هذا الوهم إلى كيان فعلي يمكن تسويقه.
فالمؤسسات التي تستقبل السير الذاتية قد لا تدقق بما يكفي، والإعلام ينقل الأخبار كما هي، والجمهور يميل إلى تصديق كل ما يأتي مصحوباً بألقاب.
هذا التواطؤ غير المتعمّد يحول الوهم إلى حقيقة، لأن الجميع شارك بدرجات مختلفة في تمريره.
تاريخ من الاحتيال الأكاديميتاريخياً، كشفت فضائح أكاديمية عدة عن هشاشة معايير التحقق، ففي تسعينيات القرن الماضي، نجح الفيزيائي الأميركي آلان سوكال في نشر مقال عديم القيمة في مجلة أكاديمية مرموقة، فقط لأنه صيغ بلغة نظرية معقدة.
بعد سنوات، كشف الصحافي العلمي الأميركي جون بوهانون جانباً آخر من هذه الهشاشة، حين أعدّ دراسة مزيفة مليئة بأخطاء منهجية واضحة، وأرسلها إلى مئات المجلات العلمية.
والغريب أن أكثر من نصف هذه المجلات نشرت الدراسة، من دون مراجعة علمية جادة.
ومطلع القرن العشرين، انطلت على المجتمع العلمي خدعة" إنسان بيلتداون"، الذي قُدم بوصفه الحلقة المفقودة في سلسلة التطور، قبل أن يتبيّن زيفه بعد عقود.
كما كُشف لاحقاً أن عالم الآثار الإنكليزي تشارلز داوسون كان المسؤول عن هذا الاحتيال.
لكن لماذا يقع الأفراد أنفسهم في هذا الفخ؟ لماذا يخاطر أكاديمي بمسيرته عبر تضخيم إنجاز أو اختراع جائزة؟ الإجابة قد تكمن في طبيعة الحقل الأكاديمي والثقافي نفسه؛ فالألقاب، والجوائز، والدعوات للمؤتمرات تبدو أدوات فعالة للترقي الاجتماعي والمهني.
هذه الظاهرة ليست بعيدة عن المنطقة العربية؛ فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت حالات مشابهة، إذ أعلنت السلطات المصرية قبل عامين أنها بصدد التحقيق مع مؤسس أحد المهرجانات، الذي وُصف إعلامياً بالدولي وهو مهرجان" هرم الإبداع" لأن القائمين عليه يمنحون شهادات وجوائز مزيفة ووهمية مقابل مبالغ مالية كبيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك