" في جنيف، لم تكن الاستحالة تقنيةً ولا بروتوكوليةً، بل أخلاقية، رفض الوفد الإيراني أن يضع يده في يد من يعتبره قاتلاً لأطفاله ورموزه، ليؤكد أن الدماء ليست مادةً للتسويق الإعلامي، وأن الصورة التي لم تُلتقط أقوى من ألف صورةٍ التُقطت".
المفارقة الكبرى كانت أن أمريكا أرادت الصورة لتصنعَ معنى الانفتاح، وإيران رفضتها لتصنع معنى الاستقلالية، نفس اللحظة البصرية تحولت إلى سرديتين متناقضتين وهذا هو جوهر صناعة الصورة الإخبارية، ليست مجرد انعكاسٍ للواقع، بل أداةٌ لإعادة تشكيله.
غياب الصورة في جنيف لم يكن مجرد تفصيلٍ بروتوكوليٍّ، بل لحظةٌ كاشفةٌ عن قوة الصورة الصحفية والتليفزيونية في صناعة السردية الإعلامية، أرادت واشنطن أن تُحوّل الكاميرا إلى أداةٍ لإعلان انتصارٍ بصري، بينما رفضت طهران أن تمنح هذا الاعتراف الرمزي، لتُثبت أن الامتناع عن الصورة قد يكون أبلغ من التقاطها، هذا المشهد يحمل الكثير من الدلالات الإعلامية التي تؤكد أن الصورة أداةُ قوةٍ حيث أن الإعلام الغربي كان ينتظر اللقطة ليحوّلها إلى دليلٍ على اختراقٍ سياسيّ، لكن غيابها فجّر أزمةً سردية، الغيابُ كالحضور إيران جعلت من رفض الصورة رسالةً بصريةً بديلةً، تُقرأ كإصرارٍ على الكرامة والسيادة، التأثيرُ العالميُّ المشهد نفسه أنتج قصتين متناقضتين، في واشنطن إحراجٌ بروتوكوليٌّ، وفي طهران بطولةٌ أخلاقيةٌ.
المشكلة هنا في حل هذا المستحيل، أنه مستحيل، لماذا رفض الوفدُ الإيرانيُّ المفاوضُ في جنيف التصوير مع نائب الرئيس الأمريكي؟الوفد الإيراني رفض التصوير مع نائب الرئيس الأمريكي في جنيف لأنه اعتبر أن الصورة المشتركة تحمل دلالاتٍ سياسيةً وبروتوكوليةً توحي بوجود تقاربٍ أو اعترافٍ رسميٍّ بالعلاقات، وهو ما أراد الإيرانيون تجنبه في هذه المرحلة الحساسة من المفاوضات، خلفية الموقف، المكان، منتجع بورجنشتوك، جنيف، سويسرا، الزمان، الأحد 21 يونيو 2026، مع انطلاق الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، الأطراف، وفدان من إيران والولايات المتحدة، بوساطةٍ قطرية وباكستانية، وبحضور نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس.
أسباب الرفض الإيراني، رفض الرمزية السياسية، الإيرانيون اعتبروا أن المصافحة والتصوير المشترك قد يُفسَّر كإشارةٍ إلى بداية تطبيعٍ أو تقاربٍ رسميّ، وهو ما يتعارض مع خطابهم السياسي الداخلي والخارجي، حساسية الرأي العام الإيراني، صورةٌ مع مسئولٍ أمريكيٍّ رفيعٍ قد تُستغل داخلياً ضد الوفد الإيراني، وتُفسَّر كتنازلٍ أو ضعفٍ أمام واشنطن، إدارة البروتوكول، الوفد الإيراني أبلغ المنظمين أنه لن يشارك في أيّ مراسم تصويرٍ أو بثٍ مباشرٍ إلى جانب الأمريكيين، دخلوا قاعة الاجتماعات فقط، بعد انتهاء مراسم التصوير التي جرت بحضور الوفد الأمريكي وحده.
دلالات الموقف، رسالةٌ سياسيةٌ، أرادت بها إيران أن تؤكد أن جلوسها على طاولة المفاوضات لا يعني قبولها بالرمزية البروتوكولية التي قد تُستغل إعلامياً، توازنٌ بين الحوار والرفض، رغم رفض الصورة، الوفد الإيراني شارك في المفاوضات، ما يعكس رغبةً في الحوار لكن بشروطٍ تحفظية، انعكاسٌ على الإعلام، وسائل الإعلام الغربية ركزت على الأزمة البروتوكولية، بينما الإعلام الإيراني قدّمها كموقفٍ سياديٍّ يحافظ على استقلالية القرار، وخطوةٍ محسوبةٍ لتجنب أيّ إيحاءٍ سياسيٍّ أو إعلاميٍّ بوجود تقاربٍ غير واقعي، هذا يعكس طبيعة المفاوضات، " حوارٌ مباشرٌ لكنه محاطٌ بجدرانٍ من الحذر والرمزية".
ولكن لماذا كان هذا التصويرُ الصحفيُّ والتليفزيونيُّ مهمٌ لأمريكا، ومستحيلٌ لإيران؟أهمية التصوير الصحفيّ والتليفزيونيّ بالنسبة لأمريكا، واستحالته بالنسبة لإيران، تكمن في الرمزية الإعلامية والسياسية أكثر من كونه مجرد بروتوكول، التصوير مهمٌ لأمريكا لأنه، رسالةٌ إلى الداخل الأمريكي، ظهور نائب الرئيس الأمريكي إلى جانب الوفد الإيراني أمام الكاميرات يُقدَّم للجمهور كإنجازٍ دبلوماسيٍّ، وكأن واشنطن استطاعت جرّ إيران إلى طاولة المفاوضات تحت الأضواء، وإشارةٌ إلى المجتمع الدولي، بأن الصورة المشتركة دليلٌ على أن الولايات المتحدة قادرةٌ على فتح قنواتٍ مباشرةٍ مع خصمها، ما يعزز صورة واشنطن كقوةٍ قادرةٍ على إدارة الأزمات، والقيمة الإعلامية هي، أن الإعلام الأمريكي والغربي سيقرأ الصورة باعتبارها اختراقاً، حتى لو لم تحقق المفاوضات نتائج ملموسة، الصورة نفسها تصبح حدثاً إخبارياً.
ولماذا كان التصوير مستحيلاً لإيران؟ ، حساسية الرأي العام الداخلي، أيُّ صورةٍ مع مسئولٍ أمريكيٍّ رفيعٍ قد تُستغل ضد الوفد الإيراني وتُفسَّر كخضوعٍ أو تنازل، وهو ما يتعارض مع خطاب المقاومة الذي تتبناه طهران، رفض الاعتراف الرمزي، إيران أرادت أن تفصل بين التفاوض كضرورةٍ سياسيةٍ وبين الرمزية الإعلامية التي قد تُقرأ كاعترافٍ بشرعية الدور الأمريكي أو التقارب السياسي، إدارة السردية الإعلامية، بالنسبة لإيران، مجرد الجلوس في قاعة المفاوضات يكفي لإثبات أنها طرفٌ حاضرٌ، لكن الصورة المشتركة قد تُستخدم ضدها في الداخل والخارج.
المفارقة هي أن، أمريكا أرادت الصورة لتقول لقد بدأنا صفحةً جديدةً مع إيران، وإيرانُ رفضت الصورة لتقول نحن نتفاوض لكننا لا نعترف بشرعية أمريكا كطرفٍ صديقٍ أو شريك.
وماذا عن الموقف الإيراني الذي أصر على استحالة مصافحة قاتل أطفال إيران ورموزها وقياداتها؟هنا ندخل إلى رمزية الاستحالة التي تبنّاها الجانب الإيراني، رفض المصافحة أو التصوير لم يكن مجرد موقفٍ بروتوكوليّ، بل إعلانٌّ سرديٌّ أخلاقيٌّ بأن اللقاء مع قاتل الأطفال والرموز والقيادات غير ممكن، حتى لو كان التفاوض ممكناً، رمزية الاستحالة تعني، استحالةً أخلاقية، إيران أرادت أن تقول إن الدماء التي أُريقت مثل مأساة مدرسة ميناب للأطفال، تجعل أيّ صورةٍ أو مصافحةٍ مع المسئول الأمريكي فعلاً غير أخلاقي، الاستحالةُ هنا ليست تقنيةً أو بروتوكولية، بل قيمةٌ أخلاقيةٌ مطلقة، لا يمكن تبييض صورة من تعتبره قاتلاً عبر لقطةٍ تليفزيونية، استحالةً سردية، في خطاب المقاومة، المصافحة تعني تطبيعاً مع الجريمة، رفضها يحافظ على السردية الإيرانية، نحن نتفاوض من موقع قوةٍ، لكننا لا نساوي بين الضحية والجلاد في صورةٍ واحدة، استحالةً رمزيةً بصرية، الصورة المشتركة كانت ستُستخدم كرمزٍ عالميٍّ على التقارب، بينما إيران أرادت أن تُبقيَّ المشهد بلا صورة، ليظل المعنى يؤكد أن، الفجوةَ قائمة، والدماءَ حاجزٌ لا يمكن تجاوزه، والنتيجةَ هي أن غياب الصورة نفسه أصبح صورةً بديلة، تُقرأ كرسالةٍ سياسيةٍ أقوى من أيّ لقطةٍ تليفزيونية.
وبماذا أثر هذا الموقف الإيراني على الرأي العام الأمريكي، وما هي انعكاساته الآنية على شعبية الرئيس الذي أعلن الانتصار من جانبٍ واحدٍ وإخضاع أعدائه؟الموقف الإيراني كان له أثرٌ مباشرٌ على الرأي العام الأمريكي، خاصةً لأنه اصطدم مع خطاب الرئيس الذي أعلن انتصاراً من جانبٍ واحدٍ وإخضاع أعدائه.
أثرُ الموقف على الرأي العام الأمريكي، إضعافُ سردية الانتصار، كثيرٌ من الأمريكيين الذين شاهدوا تغطية جنيف لاحظوا أن إيران لم تُظهر أيَّ خضوعٍ رمزي، غياب الصورة المشتركة جعل خطاب الرئيس عن الإخضاع يبدو متناقضاً مع الواقع المرئي، تعزيزُ الشكوك في المصداقية، الرأي العام الأمريكي، الذي يعاني أصلاً من انقسامٍ داخلي، قرأ الرفض الإيراني كدليلٍ على أن الإدارة تبالغُ في تصوير إنجازاتها، هذا عزز شعور جزءٍ من الجمهور بأن الرئيس يستخدم الإعلام لصناعة انتصاراتٍ وهمية، تأثيرٌ على النخب الإعلامية والفكرية، الصحافة الأمريكية ركزت على الأزمة البروتوكولية، واعتبرت أن إيران نجحت في فرض سرديتها الأخلاقية، محللون شبّهوا غياب الصورة بالفراغ البصري الذي يفضح التناقض بين الخطاب السياسي والواقع.
الانعكاسات الآنية على شعبية الرئيس، تراجع الثقة بين المستقلين، المستقلون الذين لا ينتمون للحزب الجمهوري أو الديمقراطي رأوا أن الرئيس يعلن انتصاراتٍ لا تدعمها الوقائع، ما أثّر على شعبيته بينهم، تعزيز الانقسام الحزبي، أنصار الرئيس ظلوا يرددون خطاب الإخضاع، لكن المعارضين استخدموا رفض إيران كدليلٍ على أن الإدارة فشلت في فرض هيبتها، تأثيرٌ إعلاميٌّ سلبيّ، غياب الصورة جعل وسائل الإعلام تركز على الرفض الإيراني، بدلاً من الانتصار الأمريكي، وهو ما قلّل من القيمة الدعائية التي أرادها البيت الأبيض.
والخلاصة الأكيدة هنا هي أنه، بينما أعلن الرئيس الأمريكي انتصاراً من جانبٍ واحد، جاءت لحظة جنيف لتكشف فراغاً بصرياً، لا صورة، لا مصافحة، لا رمزية خضوع، هذا الرفض الإيراني لم يُضعف فقط السردية الأمريكية أمام العالم، بل أثار شكوكاً داخليةً حول مصداقية خطاب الانتصار، ليترك أثراً مباشراً على شعبية الرئيس في لحظةٍ كان يسعى فيها إلى تكريس صورة القوة المطلقة.
وماذا عن تناول الإعلام الأمريكي لردة فعل نائب الرئيس تجاه رفض الوفد الإيراني التقاط الصور الصحفية معه؟الإعلام الأمريكي تناول ردة فعل نائب الرئيس جيه دي فانس تجاه رفض الوفد الإيراني التصوير معه في جنيف باعتبارها لحظةً محرجةً بروتوكولياً، وحاول أن يوازن بين إبراز الموقف الإيراني وبين حماية صورة الإدارة الأمريكية أمام الداخل والخارج.
كيف صاغ الإعلام الأمريكي الحدث، لغةُ الأزمة البروتوكولية، كثيرٌ من الصحف وصفت المشهد بأنه awkward moment أو protocol setback، أي لحظةٌ محرجةٌ تعكس صعوبة التعامل مع إيران، التركيز كان على أن نائب الرئيس بدا متماسكاً، لكنه واجه رفضاً علنياً أمام الكاميرات، محاولةُ التخفيف الإعلامي، بعضُ وسائل الإعلام القريبة من البيت الأبيض أبرزت أن فانس لم يُظهر انزعاجاً، وأنه واصل المراسم بشكلٍ طبيعي، لتقليل أثر الرفض على صورة الإدارة، تم تقديم الموقف كجزءٍ من تعنتٍ إيرانيٍّ متوقع، لا كفشلٍ أمريكيّ.
وفي القراءة السياسية الأعمق، محللون في صحفٍ مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز اعتبروا أن رفض إيران التصوير أفشل الهدف الأمريكي من تحويل اللقاء إلى انتصارٍ بصريّ، وأظهر حدود القوة الرمزية للبيت الأبيض، بعض التعليقات ربطت الموقف بتراجع قدرة الإدارة على فرض سرديتها الإعلامية عالمياً.
دلالات ردة فعل نائب الرئيس، الهدوء الظاهري، الإعلام الأمريكي أبرز أن فانس لم يعلّق علناً، واكتفى بالمضي في مراسم التصوير مع الوفد الأمريكي وحده، الرسالة الضمنية، هذا الصمت فُسّر بأنه محاولةٌ لتجنب تضخيم الأزمة، لكن في المقابل ترك المجال مفتوحاً أمام الإعلام لتفسير الرفض الإيراني كإحراجٍ للبيت الأبيض، والمفارقة الإعلامية هنا هي أن، الإعلام الأمريكي حاول أن يُظهر نائب الرئيس متماسكاً، لكنه لم يستطع إخفاء أن إيران نجحت في منع واشنطن من الحصول على الصورة الرمزية التي أرادتها، والنتيجة كانت أن، ردة فعل فانس قُرئت كهدوءٍ دبلوماسيّ، لكنها في الواقع أبرزت حدود القوة الأمريكية في صناعة المعنى البصري.
نماذجٌ من العناوين الأمريكيةالموقع الإخباري مانداتوري، نشر عناواناً يقول" جي دي فانس يتعرض لإحراجٍ كبير، إيران تنسحب من الصورة التذكارية" واصفاً المشهد بأنه إحراجٌ علنيٌّ، بعدما تجاهل الوفد الإيراني نائبَ الرئيس ورفض المشاركة في الصورة الجماعية.
موقعي أكسيوس و ذا إندبندنت، قالا" الوفد الإيراني يرفض التقاط صورةٍ مع فانس، محادثاتُ جنيف تتوقف" وسلطت التغطية الصحفية الضوء على انسحاب إيران من جلسة التصوير، الأمر الذي جعل المفاوضات تبدو متعثرةً منذ بدايتها.
وكالة رويترز، نشرت تقول" الخلافات البروتوكولية تُلقي بظلالها على المحادثات الأمريكية، الإيرانية"، وأشارت إلى أن هذه الخلافات، ومن بينها رفض إيران المشاركة في مراسم التصوير، زادت من الشكوك بشأن جدية المفاوضات.
قناة آسيا الإخبارية، قالت" الجوانب اللوجستية للمحادثات الأمريكية الإيرانية تثبت أنها غيرُ قابلةٍ للتنبؤ"، وربطت القناة بين رفض إيران المشاركة في مراسم التصوير وبين تعقيدات المفاوضات، مؤكدةً أن البيت الأبيض حاول التقليل من أهمية الموقف.
نماذجٌ من عناوين الصحافة العالميةوسائل الإعلام العالمية تناولت أيضاً مشهد رفض الوفد الإيراني التقاط صورةٍ تذكاريةٍ مع نائب الرئيس الأمريكي في جنيف بوصفه لحظةً رمزيةً عكست عمق التوتر بين الجانبين، وتباينت قراءاتها للموقف بين اعتباره إحراجاً دبلوماسياً للولايات المتحدة وبين وصفه بأنه موقفٌ سياديٌّ يعكس تمسك إيران بمواقفها السياسية.
ومن بين أبرز العناوين التي تناولت الحدثهيئة الإذاعة البريطانية، قالت إن" الوفد الإيراني يتجاهل فرصة التقاط صورةٍ مع الجانب الأمريكي في جنيف"، مشيرةً إلى أن غياب الصورة يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين.
صحيفة لوموند الفرنسية، أكدت أنه" في جنيف، إيران ترفض الإخراج الأمريكي للمشهد"، معتبرةً أن الموقف ينسجم مع استراتيجيةٍ إيرانيةٍ تهدف إلى الحفاظ على الكرامة الوطنية.
مجلة دير شبيجل الألمانية، وصفت المشهد بأنه" لحظةٌ محرجة، إيران ترفض التقاط صورةٍ مع نائب الرئيس الأمريكي"، لافتةً إلى أن المسئول الأمريكي بدا معزولاً أمام عدسات الكاميرات.
قناة الجزيرة الناطقة بالإنجليزية، أعلنت أن" الوفد الإيراني يرفض المصافحة الرمزية خلال محادثات جنيف"، مركزةً على الدلالات السياسية والأخلاقية للموقف.
صحيفة الجارديان البريطانية، أوضحت أن" خلافٌ بروتوكوليٌّ يلقي بظلاله على المحادثات الأمريكية الإيرانية"، موضحةً أن الجدل حول الصورة طغى على جوهر المفاوضات نفسها.
وتكشف هذه التغطيات عن انقسامٍ واضحٍ في تفسير الحدث، إذ ركزت بعض وسائل الإعلام الغربية على الجانب البروتوكولي وما اعتبرته إحراجاً دبلوماسياً، بينما سلطت وسائلُ إعلامٍ أخرى الضوء على البعد السيادي والرمزي للموقف الإيراني، وهكذا تحوّل المشهد الواحد إلى روايتين مختلفتين، الأولى تتحدث عن إحراجٍ أمريكي، والثانية ترى فيه تعبيراً عن التمسك بالكرامة والسيادة.
وماذا عن الإعلام العربي وبخاصةٍ المصري؟الإعلام العربي والمصري، تناول مشهد رفض الوفد الإيراني التصوير مع نائب الرئيس الأمريكي في جنيف من زاويتين أساسيتين.
في الصحافة المصرية، الصحف القومية مثل الأهرام والأخبار، ركّزت على البعد البروتوكولي، ووصفت الموقف بأنه أزمةٌ دبلوماسيةٌ ألقت بظلالها على المفاوضات، وأبرزت أن إيران أرادت أن تؤكد استقلالية قرارها، بينما واشنطن حاولت استثمار الصورة كإنجازٍ إعلامي، الصحف المستقلة مثل الشروق والمصري اليوم، قدّمت الحدث كرسالةٍ سياسيةٍ قويةٍ، معتبرةً أن رفض إيران التصوير يعكس رغبتها في الفصل بين التفاوض كضرورةٍ وبين التطبيع الرمزي، بعض المقالات وصفت المشهد بأنه إحراجٌ علنيٌّ للبيت الأبيض، وأشارت إلى أن غياب الصورة كان أكثر تأثيراً من وجودها، القنوات الفضائية المصرية، البرامج الحوارية تناولت الموقف باعتباره مناورةً إعلاميةً، حيث نجحت إيران في فرض سرديتها على المشهد، التعليقات التليفزيونية استخدمت لغةً مثل" إيران تفاوض بشروطها، وترفض أن تُستغل دماء أبنائها في صورةٍ بروتوكولية".
في الإعلام العربي الأوسع، قنواتٌ مثل الجزيرة والعربية، ركزت على البعد الرمزي، معتبرةً أن رفض إيران التصوير رسالةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ في آنٍ واحد، الصحف الخليجية، بعضها وصف الموقف بأنه تعنتٌ إيرانيٌّ، بينما أخرى أبرزت أنه موقفٌ سياديٌّ يعبّر عن رفض الاستعراض الأمريكي.
الخلاصة العامة هي أن الإعلام المصري والعربي قرأ المشهد كصراعٍ على الصورة، أمريكا أرادت الصورة لتصنع معنى الانتصار، إيران رفضتها لتصنع معنى الكرامة والاستقلالية، والنتيجة هي أن غياب الصورة تحوّل إلى حدثٍ إعلاميٍّ في حد ذاته، وأصبح مادةً للنقاش والتحليل أكثر من مضمون المفاوضات.
وكيف تناولت وسائلُ الإعلامِ الإيرانيةُ هذا الموقف الشجاع من رئيس وفدها المُفاوض في جنيف؟وسائل الإعلام الإيرانية تعاملت مع موقف وفدها في جنيف باعتباره انتصاراً رمزياً وأخلاقياً، لا مجرد أزمةٍ بروتوكوليةٍ.
كيف قدّمت الصحافة الإيرانية الموقف؟ ، لغةُ البطولة والسيادة، وصفت رفض المصافحة والتصوير بأنه موقفٌ شجاعٌ يحفظ كرامة الأمة، أبرزت أن الوفد لم يرضخ للضغط الإعلامي الأمريكي، بل فرض شروطه على المشهد، تأطيرٌ أخلاقيٌ إنسانيّ، ربطت الموقف بدماء الضحايا الإيرانيين، مؤكدةً أنه لا صورةٌ يمكن أن تساويَّ بين الضحية والجلاد، واعتبرت أن الاستحالة ليست سياسيةً فقط، بل أخلاقيةٌ، وأنها تعكس وفاء الوفد لدماء الشهداء، إعادةُ إنتاج السردية الوطنية، الإعلامُ الإيرانيُّ قدّم الرفض كرسالةٍ إلى الداخل عنوانها" نحن نتفاوض، لكننا لا نساوم على الكرامة"، وبالنسبة إلى الخارج، حاول أن يظهر أن إيران قادرةٌ على فرض معاييرها حتى في قلب أوروبا.
في التغطية التليفزيونية، القنوات الإيرانية ركزت على مشهد دخول الوفد إلى القاعة بعد انتهاء مراسم التصوير الأمريكية، لتقول إن إيران دخلت بشروطها، التعليقات التليفزيونية استخدمت عباراتٍ مثل" الوفد الإيراني أثبت أن الدماء ليست مادةً للتسويق الإعلامي، وأن الكرامة لا تُصافح قاتلها"، وهنا تبرز الدلالة الإعلامية القوية، بالنسبة للإعلام الإيراني، غياب الصورة لم يكن نقصاً، بل صورةٌ بديلةٌ، صورة الاستحالة، صورة الكرامة، صورة المقاومة، هذا التحويلُ الذكيُّ جعل الرفض نفسه مادةً إعلاميةً تعبّئ الرأي العام الداخلي وتُظهر إيران كقوةٍ أخلاقيةٍ أمام العالم.
نماذج من عناوين الصحف الإيرانية تصف هذا المشهدالصحفُ الإيرانيةُ قدّمت رفض الوفد للتصوير في جنيف كموقفٍ سياديٍّ شجاع، واستخدمت عناوينَ قويةً تؤكد على الكرامة الوطنية ورفض التطبيع الرمزي مع واشنطن.
جريدة إيران الرسمية، قالت في عنوانها الرئيسي" وفدنا المفاوض يدخل جنيف بلا صور، الكرامة أولاً".
صحيفة همشري التابعة لبلدية طهران، قالت" لا مصافحةٌ مع قاتل الأطفال، المفاوض الإيراني يفرض شروطه".
صحيفة رسالت، وفي المانشيت الرئيسي قالت" الصورةُ التي لم تُلتقط أقوى من ألف صورة، إيران تفاوض بلا تنازل".
صحيفة الجمهورية الإسلامية، قالت إن" الوفدُ الإيرانيُّ يرفض الاستعراض الأمريكي، المفاوضات نعم، التطبيع لا".
صحيفة إطلاعات، عنونت صدر صفحتها الأولى بقولها" جنيف تشهد موقفاً أخلاقياً، إيران تفاوض بكرامة".
وفي دلالات توجه هذه العناوين الإعلامية، إبرازُ البطولة، الإعلام الإيراني ركّز على أن الوفد واجه ضغطاً أمريكياً وخرج منتصراً أخلاقياً، تأكيد السردية الوطنية، العناوين تربط الموقف بدماء الضحايا الإيرانيين، لتقولَ إن الكرامة لا تُباع في صورة، تحويل الغياب إلى حضور، غياب الصورة لم يُقدَّم كفراغٍ، بل كصورةٍ بديلةٍ تعبّر عن الاستقلالية والرفض، الإعلامُ الإيرانيُّ، اعتبره انتصاراً أخلاقياً ورسالةً سياديةً، مؤكداً أن إيران تفاوض من موقع قوةٍ لا من موقع خضوع.
وماذا عن أقوال كبار الصحفيين والمحللين السياسيين الإيرانيين لتفسير رفض وفدهم المفاوض إعطاء الجانب الأمريكي هذا الانتصار الإعلامي؟كبار الصحفيين والمحللين السياسيين الإيرانيين فسّروا رفض الوفد المفاوض إعطاء أمريكا انتصاراً إعلامياً في جنيف باعتباره موقفاً استراتيجياً في معركة السرديات.
أبرز التفسيرات، حماية السردية الوطنية، محللون مثل حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة كيهان الأصولية أكدوا أن أيَّ صورةٍ مشتركةٍ كانت ستُستخدم في الإعلام الغربي كدليلٍ على إخضاع إيران، بينما الرفض حمى السردية الإيرانية القائمة على الكرامة والمقاومة، إفشالُ الدعاية الأمريكية، كتّابٌ في صحيفة الجمهورية الإسلامية ورسالت قالوا إن واشنطن كانت تريد استثمار الصورة كنصرٍ بصريٍّ، لكن إيران أفشلت هذا الاستثمار وأظهرت أن المفاوضات لا تعني التطبيع الرمزي، البعد الأخلاقي، محللون سياسيون ربطوا الموقف بدماء الضحايا الإيرانيين، معتبرين أن المصافحة مع من تعمدوا قتل الأطفال والقيادات والرموز ستكون خيانةً رمزيةً، وأن رفضها هو وفاءٌ للشهداء، رسالةٌ إلى الداخل والخارج، الإعلام الإيراني شدّد على أن الوفد أرسل رسالةً مزدوجةً، للداخل، " نحن نتفاوض لكن لا نساوم على الكرامة"، وللخارج، " إيران قادرةٌ على فرض شروطها حتى في قلب أوروبا".
خلاصة التحليلات الإيرانية تؤكد أن، الرفض لم يكن ضعفاً، بل قوةٌ رمزية، غياب الصورة تحوّل إلى صورةٍ بديلةٍ تعبّر عن الاستقلالية والكرامة، الإعلام الإيراني قدّم الموقف كدرسٍ عالميٍّ أن القوة ليست في الصورة الملتقطة، بل في القدرة على منع صورةٍ قد تُستخدم ضدهم.
خاتمة المقال، في زمن الإعلام البصري، لا تُقاس قوة المفاوضات بما يُقال على الطاولة فقط، بل بما يُلتقط أو يُرفض أمام الكاميرا، فالصورة قد تُصنع لتُعلنَّ انتصاراً، وقد تُرفض لتُعلن كرامةً، والعبرة أن الصحافة والتليفزيون لا يكتفيان بتوثيق الأحداث، بل يعيدان تشكيلها، ليصبحَ الغيابُ أحياناً أبلغ من الحضور، والصورة التي لم تُلتقط أقوى من ألف صورةٍ التُقطت، والعبرة أن الصورة الصحفية والتليفزيونية ليست حياديةً، فهي سلاحٌ في معركة الوعي، قد تُستخدم لتكريس القوة أو لتأكيد الكرامة، وقد يكون الامتناع عن التقاطها أحياناً هو الرسالةُ الأقوى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك