تضم البرتغال اليوم أكثر 725 شخصا من فئة الأثرياء فاحشي الثراء مقارنة بما كان عليه الوضع قبل خمسة أعوام.
لكن من هم هؤلاء الأشخاص؟ ومن أين تأتي ثرواتهم؟ ولماذا يواصلون اختيار البرتغال للعيش والاستثمار؟نشر في نيسان/أبريل من هذا العام مؤشر العقارات الدولي Prime International Residential Index (PIRI) التابع للشركة البريطانية Knight Frank، وكشف أن عدد الأثرياء فاحشي الثراء، أي الأشخاص الذين تفوق ثروتهم الصافية نحو 25 مليون يورو (المعروفون في الإنجليزية باسم ultra high net worth individuals اختصارا UHNWI)، ارتفع في البرتغال خلال الأعوام الخمسة الماضية بنحو 50%.
ففي عام 2021 كان في البرتغال 1.
462 شخصا من هذه الفئة، بينما تشير تقديرات الشركة البريطانية إلى أن هذا العدد سيرتفع في عام 2026 إلى 2.
187.
ومن المسلم به على نطاق واسع أن جزءا كبيرا من هؤلاء الأثرياء فاحشي الثراء هم من الأجانب الذين اختاروا البرتغال للعيش أو الاستثمار لأسباب متعددة.
إلى جانب جودة الحياة والمناخ والأمن ونمط العيش، بدأت البرتغال أيضا تجذبهم بفضل الحوافز الضريبية التي اعتمدت في الأعوام الأخيرة، مثل تأشيرات غولد ونظام المقيم غير المعتاد (RNH).
هذا النظام، الذي أنشئ في عام 2009، كان يمنح امتيازات ضريبية لمدة عشرة أعوام بهدف استقطاب المهنيين المؤهلين والمتقاعدين الأجانب إلى البرتغال.
ويطبق حاليا على بعض الأنشطة العلمية والمهن ذات التأهيل العالي فقط.
أما تأشيرات غولد، فقد توقفت في الأثناء إمكانية الحصول على تصريح إقامة من خلالها عبر اقتناء العقارات.
وبحسب دراسة Knight Frank، قد تخفف هذه التغييرات من حدة الطلب الدولي، لكنها لا تقوضه بالكامل.
الأثرياء فاحشو الثراء ليسوا أجانب فقطمن بين الأفراد الذين تتجاوز ثروتهم 25 مليون يورو (30 مليون دولار في التقرير الأصلي) يوجد أيضا عدد كبير من البرتغاليين، وخصوصا من رجال الأعمال.
توضح هيلينا سيروكا، المديرة المنسقة لمصرف الأعمال الخاصة في بنك Carregosa، في تصريح لقناة Euronews أن الشخص الذي يمتلك مثل هذه الثروة تكون أهم هواجسه حماية الأصول، والمسائل الضريبية، وقضايا الميراث.
بنك Carregosa هو مؤسسة مالية برتغالية متخصصة في إدارة الثروات (wealth management)، يركز على العملاء ذوي الملاءة العالية.
والملف النموذجي لعملائه هو رجل الأعمال البرتغالي في شمال البلاد ووسطها، المرتبط بقطاعات صناعية مثل الأحذية والمنسوجات والزجاج والبلاستيك أو الخشب، وأيضا بمجالات التكنولوجيا الحديثة والخدمات.
ارتفاع عدد فئة UHNWI في الأعوام الخمسة الأخيرة لا يفاجئ هيلينا سيروكا، التي تشير إلى فترة ما بعد الجائحة بوصفها لحظة حاسمة في خلق ثروات جديدة.
وتقول إنهم لاحظوا منذ مرحلة ما بعد كوفيد مباشرة أن ثروات هؤلاء العملاء ارتفعت نتيجة بيع الشركات.
في مقابلة مع Euronews أوضحت المديرة المنسقة لمصرف الأعمال الخاصة في المؤسسة أن التدفق الكبير لـصناديق رأسمال المجازفة إلى الشركات جعل كثيرا من رجال الأعمال يحصلون على مبالغ مالية ضخمة للغاية.
ذلك رجل الأعمال وجد نفسه فجأة أمام 100 مليون يوروصناديق الاستثمار المباشر (private equity)، التي تستثمر في شركات غير مدرجة في البورصة بهدف رفع قيمتها على المدى المتوسط والطويل، اكتسبت وزنا كبيرا في السوق البرتغالية خلال الأعوام الأخيرة وأسهمت في زيادة عدد الأثرياء فاحشي الثراء في البرتغال.
كثير من مالكي الشركات يبيعون حصصا من رأسمالهم لتمويل توسع أعمالهم أو دخول أسواق جديدة من دون اللجوء إلى أموالهم الخاصة.
يشرح برونو مينيويا بيريز، مدير إدارة الثروات الخاصة في البنك نفسه، أن صفقة الاستثمار المباشر تقوم في جوهرها على الحصول على حصة في شركة عبر صندوق رأسمال مجازفة، قد يتدخل في الإدارة أو لا، تبعا لنسبة الحصة المقتناة وطموح المستثمر.
كما أن تقدم أعمار المالكين يدفع أيضا نحو صفقات من هذا النوع، بما في ذلك بيع الشركات بالكامل.
ويوضح أن هناك أشخاصا تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاما لم يعودوا يرغبون في قيادة أعمالهم بأنفسهم، أو يتلقون عروضا مغرية جدا فيفضلون البيع، مؤكدا أن الأعوام الخمسة الماضية شهدت العديد من الصفقات من هذا القبيل.
ويضرب برونو بيريز مثلا بشركة مخابز في منطقة وسط البرتغال اشترتها مجموعة فرنسية كبيرة تسعى إلى تعزيز حضورها في البلاد.
ويقول إن ذلك رجل الأعمال وجد نفسه فجأة أمام 100 مليون يورو، في إشارة إلى كيف يمكن لصفقة واحدة فقط أن تكفي لوضع شخص ما في قائمة الأثرياء فاحشي الثراء.
ويشير برونو بيريز أيضا إلى عمليات مشابهة في قطاعات مثل شركات تنظيم الجنازات ومكاتب المحاماة، حيث تعمل مجموعات كبرى على شراء فاعلين أصغر حجما من أجل زيادة حصتها في السوق.
وتلفت هيلينا سيروكا كذلك إلى حركة المهنيين الذين يطلق عليهم الرحّل الرقميون، والذين ازداد عددهم مع انتشار العمل عن بُعد خلال الجائحة.
وتقول إن البرتغال استقبلت عددا كبيرا من الأجانب الذين جاؤوا للعمل عن بعد، ثم قرروا الاستقرار فيها بعدما أحبوا البلد، مضيفة أنهم أيضا يتمتعون بقدرة مالية وروح ريادية، ويبدؤون في إنشاء مشاريع خاصة بهم.
وبالإضافة إلى وصول الرحّل الرقميين، تشدد هيلينا سيروكا على الوزن المتزايد للاستثمار الأجنبي في القطاعات الاستراتيجية، مؤكدة أن هناك عددا متزايدا من الأجانب الذين يضخون استثمارات كبيرة في البرتغال، خاصة في مجالي العقار والسياحة.
ويقر مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك Carregosa بأنه، رغم أن رجل الأعمال المقيم في البرتغال والذي تتركز ثروته فيها ليس هو نموذج العميل المعتاد لديهم، فإن البنك يستقبل أيضا عملاء يأتون للاستثمار في العقار.
ويوضح أن العملاء الإسرائيليين والأتراك الذين يستثمرون في البرتغال يرتبطون في الغالب بقطاع العقار في بلدانهم، وأنهم يأتون إلى البرتغال لأنهم يجدون فرصا جيدة لشراء وترميم العقارات، خاصة في مدن مثل لشبونة وبورتو.
بعض هؤلاء الأثرياء فاحشي الثراء يستقرون في البرتغال بشكل دائم أو جزئي، فيما يكتفي آخرون بالاستثمار فيها.
ويشير برونو أيضا إلى أن البرتغال تعد وجهة جذابة للاستثمار العقاري بسبب نمط الحياة، بما في ذلك أنشطة الترفيه مثل الغولف.
ويوضح أن أشخاصا أثرياء جدا يأتون إلى البرتغال، في كثير من الأحيان لقضاء عطلة نهاية الأسبوع فقط، خاصة للعب الغولف في مناطق مثل كاشكايس وكومبورتا ومنطقة الغارف.
بعضهم يصل على متن طائرات خاصة، يمكث بضعة أيام، يعجب بالتجربة ثم ينتهي به الأمر بشراء منازل هناك.
ومن الأمثلة التي قدمها مشروع “Terras da Comporta” (المعروف بمسار الغولف The Dunas Course)، الذي بدأ كملعب غولف واحد (أول ملعب من تصميم David McLay-Kidd في البر الرئيسي الأوروبي) افتتح في حزيران/يونيو 2023، وحصل على عدة جوائز بينها لقب “أفضل ملعب غولف جديد في العالم” و“أفضل ملعب غولف جديد في أوروبا”.
وقد تحول المشروع إلى محرك لارتفاع أسعار العقارات في المنطقة، وجذب مشترين دوليين لقطع الأراضي ومساكن الفئة الفاخرة.
نمو الاستثمار في العقار الفاخر في البرتغالخلصت أحدث دراسة عالمية لشبكة Christie’s International Real Estate، وهي من أبرز شبكات العقار الفاخر في نحو 50 دولة، إلى أن البرتغال تحتل موقعا مميزا في السوق الدولية للعقار الفاخر.
وقال جواو سيليا، الرئيس التنفيذي لشركة Porta da Frente Christie’s في البرتغال، في تصريحات لـ Euronews، إن سوق الفخامة يجتذب ثروات كبيرة تبحث عن مسكن رئيسي أو مسكن ثانٍ أو تنويع لمحفظتها، مشيرا إلى أن شرائح العملاء تختلف بحسب فئات السوق.
وفي سوق العقار، يميز الخبراء بين الفئة العليا والفئة الفائقة الفخامة.
فسعر الشقة عند مستوى الدخول إلى الفئة العليا يبلغ نحو 6.
494 يورو لكل متر مربع، أما في شريحة الفخامة التي تمثل نحو 2% فقط من السوق، فتدور الأسعار حول 11 ألف يورو للمتر المربع.
وتتميز الفئة الفائقة الفخامة أيضا بمواقعها البارزة، مثل كاشكايس، ومركز لشبونة، وكومبورتا، وما يسمى مثلث الغارف الذهبي (Vilamoura وVale do Lobo وQuinta do Lago).
فيلا T8 مع مسبح في حي إستريلا في لشبونة، بمساحة إجمالية خاصة تبلغ 1250 م²فيلا T8 مع مسبح في حي إستريلا في لشبونة، بمساحة إجمالية خاصة تبلغ 1250 م²أما الفئة العليا، فالعرض فيها أوسع وتشمل عقارات حديثة لكن بمساحات أكثر تقليصا، ولا تقتصر بالضرورة على المشترين من فئة الأثرياء فاحشي الثراء.
ويشير إلى أن المشاريع الجديدة المزودة بصالات رياضية ومسابح، ولكن الواقعة في المناطق المحيطة بلشبونة، مثل ميرافلوريس وألتا دي لشبونة أو Belas Clube de Campo، أو على الضفة الجنوبية لنهر تاجه مثل ألكوشيت وأرويرا، يشتريها في العادة العملاء البرتغاليون.
ويضيف أنه في ما يخص العقارات عند مستوى الدخول إلى الفئة العليا، فإن نحو 95% من المشترين حاليا هم من البرتغاليين، لكن في شريحتي الفخامة والفخامة الفائقة، يشكل الأجانب ما يقرب من 65%، ومعظمهم من الأميركيين الشماليين والبرازيليين.
في سوق العقار الفائق الفخامة، تكون نسبة البرتغاليين أقل، في حدود 35% تقريبا، وغالبا ما يكونون رجال أعمال يملكون شركات متوسطة الحجم نشطة منذ 10 إلى 15 عاما وتحقق أرباحا صافية معتبرة.
ويشير جواو أيضا إلى أن مجتمع لاعبي كرة القدم يمكن أن يكون جزءا من هذه الشريحة.
وبحسب جواو سيليا، لم يعد كثير من المشترين الأجانب ينظرون إلى البرتغال كوجهة للإقامة فقط، بل أيضا كوجهة استثمارية.
ويقول إن هؤلاء الأشخاص يرسخون وجودهم بشكل متزايد في البرتغال، ويبدؤون في الاستثمار فيها إلى جانب مساكنهم، معتبرا أن هذا عنصر في غاية الأهمية لأنه يعني أن جزءا كبيرا من ثرواتهم بات موجودا في البلاد، مما يزيد من ارتباطهم بالبرتغال.
ويشير جواو سيليا إلى أن إلغاء نظام المقيم غير المعتاد لم يكن له الأثر السلبي الذي كان متوقَّعا.
فبرغم أن البرتغال لم تعد بنفس القدرة التنافسية الضريبية مقارنة بالماضي، فإنها، عند مقارنتها بدول أوروبية أخرى، لا تزال قادرة على استقطاب المقيمين.
البرتغال في صدارة أوروبا في مجال branded residencesمن القطاعات الأخرى التي تشهد نموا في البرتغال فئة ما يعرف بـ “branded residences”، وهي وحدات سكنية تحمل علامات تجارية فندقية.
وبحسب التقرير، تعد البرتغال رائدة أوروبيا في هذا القطاع مع نحو 1.
200 وحدة، تمثل ما بين 30% و50% من سوق الفخامة.
ويشرح جواو سيليا أن هذا النوع من المنتجات يستقطب عملاء أجانب يحبون قضاء فترات طويلة خارج بلدانهم، إذ تتيح لهم هذه الصيغة الوصول إلى شقق مجهزة بكل خدمات الفنادق، مع إمكانية إدخال العقار في منظومة التأجير الفندقي أثناء غيابهم، من دون جهد يذكر ومن خلال تحقيق عائد محتمل.
لشبونة وكاشكايس تبرزان في السياق الأوروبيالعقارات الفاخرة تجذب مشترين من فئة UHNWI، ولشبونة وكاشكايس تمتلكان اليوم سوقا في أعلى الهرم تنافس على مستوى أوروبا.
تكشف بيانات حديثة لشبكة Christie’s أن لشبونة وكاشكايس تمثلان أكثر من 26% من العرض المدروس في أوروبا.
وتعد كاشكايس حاليا ثاني أكبر سوق في الشبكة على مستوى القارة، متقدمة على لندن ومدريد.
فيلا منفصلة داخل مجمع Quinta da Marinha، أحد أكثر المواقع السكنية استقرارا وقيمة في كاشكايسفيلا منفصلة داخل مجمع Quinta da Marinha، أحد أكثر المواقع السكنية استقرارا وقيمة في كاشكايسومثالا على ذلك، تعرض للبيع فيلا تضم تسع غرف نوم في منطقة غويا في كاشكايس، بمساحة مبنية خاصة تبلغ 1.
198 م²، بسعر 20,4 مليون يورو، متجاوزة بذلك السقف السعري المعهود في مدريد.
الصراع في الشرق الأوسط يجذب المستثمرين إلى البرتغاليشير جواو سيليا إلى أن السوق الأكثر نموا اليوم هو سوق الشرق الأوسط، خاصة قطر، الذي بدأ، منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ينظر إلى البرتغال بوصفها وجهة استثمارية محتملة.
ويقول إنهم يبحثون حاليا عن بدائل استثمارية أكثر أمانا، مشددا على أنه كلما زادت مستويات عدم الاستقرار في العالم، ازدادت أهمية هذا السوق، لأن البرتغال سوق يتعامل باليورو، ويتمتع باستقرار سياسي، وعضو في الاتحاد الأوروبي، وتشكل بديلا ممتازا لأسواق أخرى أكثر تقلبا.
غير أن الرئيس التنفيذي يحذر، رغم توقعات النمو ووصول مزيد من الأثرياء فاحشي الثراء إلى البرتغال في الأعوام المقبلة، من ندرة العرض في سوق بهذه الدرجة من التخصص.
ويقول إن هذه الفئة من الأشخاص تبحث عن نوع مختلف تماما من البناء وفي مناطق شديدة التميز، في حين أن البرتغال ليست بلدا كبيرا.
يتوقع مؤشر Prime International Residential Index لعام 2025 أن يواصل عدد فئة UHNWI ارتفاعه، وأن يصل في عام 2031 إلى 2.
452 شخصا من الأثرياء فاحشي الثراء في البرتغال.
ويشير التقرير إلى أن أسلوب حياة هذه الفئة، التي تتنقل باستمرار بين دول عدة من دون إقامة ثابتة، والمعروف باسم “dip-in, dip-out lifestyle”، يسهم بدوره في هذا النمو.
إلى جانب ذلك، يرى مسؤولو بنك Carregosa أن الاستثمار بات اليوم أكثر سهولة من السابق؛ فمنتجات مثل الاستثمار المباشر والأسهم، التي كانت في الماضي حكرا على المستثمرين الأثرياء جدا أو المحترفين، أصبحت متاحة تقريبا لأي شخص عبر الهاتف المحمول.
ويقول برونو بيريز، مدير إدارة الثروات الخاصة، إن الشخص في السابق كان يحتاج إلى وسيط مالي من أجل الاستثمار في الأسهم، أما اليوم فالأمر لا يتعدى ضغطة على الهاتف المحمول، إذ يمكن لأي شخص شراء سهم في Apple أو Meta أو Nvidia، أو صندوق مؤشرات متداولة (ETF) يعكس أداء مؤشر أسهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك