في كل مرة تصل فيها شحنة قمح إلى ميناء، أو هاتف جديد إلى متجر، أو دواء إلى صيدلية، تكون هناك رحلة طويلة سبقت لحظة الوصول.
رحلة لا تبدأ على الطرق البرية ولا في المستودعات، بل في عرض البحر، حيث يقضي ملايين البحّارة أسابيع وربما أشهرًا بعيدًا عن عائلاتهم، حتى تصل احتياجات العالم إلى وجهتها.
ورغم أن الشحن البحري ينقل نحو 90% من التجارة العالمية، ويعمل في الأسطول التجاري قرابة 1.
9 مليون بحّار، وفق غرفة الشحن الدولية، فإن هؤلاء العمال يظلون بعيدين عن الأضواء.
فالعالم يتابع أسعار النفط، وحركة الموانئ، وسلاسل الإمداد، لكنه نادرًا ما يتوقف عند الأشخاص الذين يجعلون كل ذلك ممكنًا.
ولهذا السبب، يحتفي العالم في 25 يونيو/ حزيران من كل عام بـ" اليوم الدولي للبحّارة"، الذي أقرته المنظمة البحرية الدولية في 2010 اعترافًا بالدور الذي يؤديه البحّارة في الاقتصاد العالمي.
وتصف المنظمة نظرة كثير من المجتمعات إلى هذا القطاع بما تسميه" عمى البحر"، في إشارة إلى أن الناس لا يتذكرون البحر ومن يعملون فيه إلا عندما تتعطل التجارة أو ترتفع أسعار السلع.
وراء كل سفينة قصة بشرية لا تظهر في الصور، فالسفينة ليست مجرد كتلة فولاذية تعبر المحيطات، بل مكان للعمل والحياة والعزلة في آن واحد.
وعلى متنها لا يوجد قبطان فقط، وإنما: مهندسون، عمال سطح، فنيون، طهاة، ومراقبو ملاحة، يقضون شهورًا في مساحة محدودة، يتنقلون بين مناطق زمنية مختلفة، ويتحملون ضغط المناوبات وتقلبات الطقس والمسؤولية المستمرة عن سلامة السفينة وحمولتها.
وفي كثير من الرحلات، لا يجد البحّار وقتًا للنزول إلى اليابسة حتى عندما ترسو السفينة في الميناء، بينما يصبح الاتصال بالعائلة رفاهية ترتبط بجودة الإنترنت أو بسياسات الشركة أو ببعد السفينة عن أقرب ساحل.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة أمام قيمة البضائع التي تحملها السفن، لكنها بالنسبة إلى البحّار هي الحياة اليومية نفسها.
فالعولمة التي جعلت السلع تصل إلى المستهلكين بسرعة وكلفة أقل، جعلت أيضًا من العامل الذي ينقلها أقل حضورًا في الوعي العام.
ولا تتوقف التحديات عند قسوة البحر.
ففي بعض الحالات، تتحوّل السفينة إلى مكان انتظار قاسٍ عندما تتعثر الشركات المالكة أو تنشب نزاعات قانونية، فيجد البحّارة أنفسهم عالقين على متن سفن مهجورة، بأجور متأخرة ووثائق محتجزة ومستقبل مجهول.
وتحذر المنظمة البحرية الدولية من ظاهرة" هجر البحّارة"، مؤكدة أنها لا تعني مجرد خلاف إداري، بل أزمة إنسانية تمس العامل وعائلته معًا.
فحين يتأخر راتب البحّار، لا يتأخر دخل فرد واحد فقط، بل تتعطل معه أقساط المدارس، وإيجارات المنازل، والعلاج، ومصروفات أسر كاملة تنتظر عودته.
كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن البحّارة ما زالوا يواجهون تحديات متزايدة، من بينها الإرهاق الناتج عن ساعات العمل الطويلة، وتأخر الأجور، وحرمان بعضهم من النزول إلى اليابسة، فضلًا عن تعرض السفن لهجمات أو ملاحقات قانونية في بعض مناطق العالم.
تزداد هذه المخاطر خلال الحروب والأزمات.
فحين تتصدر عناوين الأخبار اضطرابات البحر الأحمر أو الخليج أو غيرهما من الممرات البحرية، ينصب الاهتمام عادة على أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، بينما يغيب الحديث عن البحّارة الذين يعيشون تلك المخاطر مباشرة.
فالسفينة ليست مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل مكان ينام ويعمل فيه عشرات الأشخاص تحت تهديد دائم.
وقد أعادت جائحة كورونا التذكير بأهمية هؤلاء العمال، بعدما وجد آلاف البحّارة أنفسهم عالقين على متن سفنهم لأشهر إضافية بسبب قيود السفر وإغلاق الحدود، في واحدة من أصعب الأزمات التي شهدها القطاع البحري، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى الاعتراف بهم بوصفهم" عمالًا أساسيين" لاستمرار حركة التجارة العالمية.
واليوم، تواجه صناعة الشحن تحديات جديدة مع التحول نحو الوقود النظيف والرقمنة وخفض الانبعاثات.
وبينما تعد هذه التحولات ضرورية لمستقبل النقل البحري، فإنها تفرض في الوقت نفسه مهارات ومتطلبات جديدة على البحّارة، ما يجعل تحسين ظروف عملهم وحماية حقوقهم جزءًا أساسيًا من مستقبل القطاع.
فالاحتفاء بالبحّارة لا ينبغي أن يقتصر على يوم دولي أو كلمات شكر، بل يجب أن يترجم إلى عقود عادلة، وأجور تُدفع في موعدها، ورعاية صحية، وحق في التواصل مع العائلة، وحماية من الهجر والاستغلال.
وفي النهاية، لا يحمل البحّارة الحاويات وحدها، بل يحملون تفاصيل الحياة اليومية لمليارات البشر.
وخلف كل سفينة ترسو في ميناء، وكل سلعة تصل إلى رف، وكل ناقلة تعبر البحر، يوجد أشخاص قد لا نعرف أسماءهم، لكن العالم يواصل حركته لأنهم واصلوا الإبحار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك