في تطور لافت ومثير للجدل داخل أفغانستان وخارجها، أقدمت السلطات الأفغانية على إغلاق قناة" تمدن" في العاصمة الأفغانية كابول.
واعتبر كثيرون هذه الخطوة مؤشراً جديداً على تضييق متزايد على الإعلام غير الحكومي وحرية التعبير، لا سيما أن القناة كانت تمثل صوت الأقلية الشيعية في البلاد.
في المقابل، أفاد مصدر في وزارة الإعلام" العربي الجديد" بأن القضية مرتبطة بإجراءات قانونية وخلافات على المبنى الذي تشغله قناة" تمدن"، نافياً وجود أي دافع ديني أو سياسي أو اجتماعي.
ولا شك أن إغلاق قناة" تمدن" أثار نقاشات لا تقتصر على حرية التعبير في أفغانستان، التي عانت ويلات الحرب على مدى العقود الخمسة الماضية، بل تمتد أيضاً إلى قضايا التعددية الاجتماعية والسياسية والمذهبية.
كما جاءت الخطوة في وقت تسعى فيه حكومة طالبان إلى تحسين علاقاتها مع دول العالم، ولا سيما الغرب وأوروبا، حيث توجه وفد من وزارة الخارجية الأفغانية برئاسة الناطق باسم الوزارة عبد القهار بلخي إلى بروكسل للحوار مع ممثلي الاتحاد الأوروبي.
غير أن مثل هذه الخطوات تلقي، بلا شك، بظلالها على تلك المساعي.
وفي تفاصيل القضية، وبحسب ما ذكره المسؤولون في القناة، دخلت قوات طالبان إلى مقر القناة بصورة مفاجئة، وبعد حديث مع المسؤولين فيها طلبت وقف البث المباشر.
وبعد فترة وجيزة من إيقاف البث، طلبت من الموظفين مغادرة المبنى قبل أن تغلقه بشكل كامل.
وقد أثار هذا التصرف صدمة كبيرة لدى الموظفين والعاملين في القناة.
وفي هذا الشأن، يروي أحد الموظفين الذين كانوا داخل المبنى وقت مداهمته من قبل قوات طالبان، وفضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، لـ" العربي الجديد": " كنا منشغلين بعملنا عندما دهمت القوات المبنى.
ظننا من الوهلة الأولى أن القناة تعرضت لهجوم مسلح، خاصة أنها تنتمي إلى توجه فكري معين.
لم نكن نعرف حقيقة الأمر حتى دخل الجنود إلى الغرف وأمروا المسؤول بوقف البث، ثم طلبوا من جميع الموجودين في المبنى مغادرته من دون ذكر السبب".
وأشار إلى أن مداهمة المبنى بهذه الصورة المفاجئة وغير المعتادة شكلت صدمة كبيرة لهم.
ويضيف الموظف أن القضية لا تقتصر على الصدمة النفسية، بل تثير أيضاً قلقاً بالغاً، لأن العمل في القناة كان مصدر رزقه الوحيد، وكذلك مصدر رزق كثير من زملائه.
وإذا استمر منع القناة من العمل، فإنهم سيحرمون من وظائفهم في وقت تستشري فيه البطالة وتتفاقم في أفغانستان.
وفي حين التزمت السلطات صمتاً مطبقاً بشأن دوافع القضية وأسبابها، أثيرت تساؤلات كثيرة حول السبب الحقيقي وراء وقف بث القناة، خاصة أن إغلاقها جاء في توقيت حساس للغاية، بالتزامن مع أيام شهر محرم، وهي مناسبة دينية مهمة لدى الشيعة، إذ كانت القناة تبث المجالس الدينية والبرامج الخاصة بعاشوراء.
وانطلاقاً من ذلك، يرى كثيرون أن السبب قد لا يكون مرتبطاً بمخالفة قانونية أو ببث برامج لا تتماشى مع سياسات الحكومة الأفغانية.
ولم تقدم حكومة طالبان أي توضيح حتى الآن بشأن أسباب إغلاق القناة، لكن مصدراً في وزارة الإعلام أفاد" العربي الجديد" بأن القضية مرتبطة بخلافات حول المبنى الذي تشغله القناة، وأن الإجراء جاء في إطار تنفيذ قرارات قانونية، ليس أكثر، نافياً وجود أي سبب سياسي أو ديني وراء ما حدث.
وأضاف أن إدارة القناة تستطيع استئناف البث من أي مكان آخر غير هذا المبنى.
وأثارت القضية ردات فعل محلية ودولية، إذ اعتبرت المؤسسات المعنية بواقع الإعلام في أفغانستان هذه الخطوة غير مقبولة، فيما دعا كثير من رواد منصات التواصل الاجتماعي إلى معالجة القضية عبر الأطر القانونية، لا سيما أن السلطات تؤكد ارتباطها بتنفيذ قوانين وإجراءات قانونية، وليس بأي أسباب أخرى.
وأدان مركز الصحافيين الأفغان (AFJC) مداهمة وزارة العدل التابعة لحكومة طالبان مقر تلفزيون" تمدن" في كابول وإغلاقه.
واعتبر هذه الخطوة تصعيداً مقلقاً في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها طالبان لقمع وسائل الإعلام المستقلة، وتقييد أصوات الأقليات، وتقويض الحق في حرية التعبير في أفغانستان.
وتأسست القناة عام 2006، وكانت تخدم بصورة رئيسية مجتمع الهزارة الشيعي، وشكّلت على مدى سنوات منصة مهمة للبرامج الدينية والثقافية والسياسية.
ويرى المركز أن إغلاقها لا يؤدي فقط إلى إسكات صوت مؤثر داخل المجتمع الأفغاني، بل يشير أيضاً إلى نمط مقلق من القمع يستهدف وسائل الإعلام التابعة للأقليات.
وجاءت هذه المداهمة بعد حوادث سابقة، من بينها مداهمة تعرّضت لها القناة في فبراير/شباط 2023، حين أوقفت قوات أمنية عدداً من موظفيها.
وفي ذلك الوقت، أعلنت وزارة العدل في حكومة طالبان إغلاق القناة بحجة ارتباطها بحزب" الحركة الإسلامية"، وهو ادعاء تنفيه إدارة المحطة، مؤكدة أن هذه المزاعم لا تستند إلى أساس وأنها تمارس نشاطها بصورة قانونية رغم النزاع القائم بشأن ملكية الأرض التي تشغلها.
وقال محمد جواد محسني، مالك تلفزيون" تمدن"، في منشور على فيسبوك، إن القناة طعنت عبر المسارات القانونية في قضية الأرض التي تستند إليها السلطات لتبرير الإغلاق، مؤكداً أن نشاط المحطة قانوني، وأن القضية لا تزال قيد المراجعة القضائية.
كما أعرب محسني عن قلقه من توقيت الإغلاق الذي تزامن مع شهر محرم، وهو شهر ذو أهمية خاصة لدى الطائفة الشيعية، مشيراً إلى الآثار الأوسع لهذه الخطوة على حق الجمهور في الوصول إلى أصوات متنوعة وبرامج دينية مختلفة.
واعتبر مركز الصحافيين الأفغان أن ما جرى يمثل إغلاقاً غير قانوني وخارج الأطر القضائية، ويتجاهل الإجراءات القانونية والحساسيات الدينية.
وأكد أن مثل هذه الممارسات لا تنتهك حرية الصحافة فحسب، بل تهدد أيضاً سلامة الصحافيين واستقلاليتهم، في ظل بيئة عمل تزداد عدائية يوماً بعد يوم.
ودعا المركز سلطات طالبان إلى إجراء تحقيق مستقل في ملابسات إغلاق القناة، واحترام الإجراءات القضائية، والعمل على استئناف بث تلفزيون" تمدن" فوراً من دون ضغوط أو ترهيب.
وختم المركز بيانه بالتأكيد على أن قمع تلفزيون" تمدن" يجسد التراجع الأوسع في استقلالية الإعلام والتعددية الدينية في أفغانستان، وهو مسار يتعين وقفه بصورة عاجلة حفاظاً على الحقوق الأساسية وسيادة القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك