منذ أن خرج ملايين المصريين إلى الشوارع في 30 يونيو 2013 مطالبين باستعادة الدولة الوطنية وتصحيح المسار، دخلت مصر مرحلة جديدة من تاريخها الحديث اتسمت بإطلاق مشروع وطني شامل لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق التنمية في مختلف القطاعات.
وعلى مدار السنوات التالية للثورة، شهدت البلاد تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والمشروعات القومية الكبرى التي استهدفت معالجة التحديات المتراكمة، ووضع أسس التنمية المستدامة، لتتحول الجمهورية الجديدة إلى عنوان لمرحلة اتسمت بالتوسع في البنية التحتية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتحسين جودة حياة المواطنين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهرت المؤشرات الدولية تحسنًا ملحوظًا في أداء الاقتصاد المصري، إذ وضعت تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في أبريل 2026 مصر في المرتبة الثانية عربيًا من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي وفقًا لتعادل القوة الشرائية، فيما توقع البنك الدولي استمرار نمو الاقتصاد المصري ليصل إلى 4.
3% خلال العام المالي 2025/2026، ثم إلى 4.
8% خلال العام المالي 2026/2027، مدعومًا بتحسن مناخ الأعمال وزيادة الاستثمارات وتوافر النقد الأجنبي.
كما شهدت معدلات التضخم تراجعًا تدريجيًا بعد موجة الارتفاعات التي شهدتها السنوات الماضية، حيث انخفضت من ذروة بلغت 38% في سبتمبر 2023 إلى 14.
6% في مايو 2026، بالتوازي مع تراجع معدل البطالة إلى 6% خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يعكس توسع سوق العمل وخلق فرص جديدة من خلال المشروعات القومية والاستثمارات المختلفة.
وفي إطار تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الرقعة الزراعية، نفذت الدولة عددًا من المشروعات الزراعية الكبرى التي أسهمت في زيادة الرقعة الزراعية بنحو 4.
5 مليون فدان.
وشملت هذه المشروعات المشروع القومي لاستصلاح 1.
5 مليون فدان، ومشروع مستقبل مصر الزراعي الذي يضم نحو 500 ألف فدان، إلى جانب مشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف الوصول إلى مليوني فدان، فضلًا عن مشروع الصوب الزراعية الذي يعتمد على أحدث التقنيات الزراعية لزيادة الإنتاجية وترشيد استخدام المياه.
وشهد قطاع الطاقة طفرة غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، بعدما تحولت مصر من مواجهة تحديات في إمدادات الكهرباء والغاز إلى امتلاك بنية قوية تؤهلها للقيام بدور إقليمي مهم في مجال الطاقة.
كما توسعت مصر في مشروعات الطاقة النظيفة والمتجددة، ومن بينها مشروع" أوبليسك" للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاوات، إضافة إلى مشروعات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بإجمالي قدرات مستهدفة تصل إلى 3100 ميجاوات.
وفي قطاع البنية التحتية، نفذت الدولة المشروع القومي للطرق الذي ساهم في تطوير شبكة النقل وتحسين الربط بين المحافظات والمناطق التنموية الجديدة.
وبلغت استثمارات الطرق والكباري نحو 32.
9 مليار جنيه، وشملت تنفيذ وتطوير عدد من المحاور والطرق الاستراتيجية، من بينها محور 30 يونيو بطول 210 كيلومترات، وطريق الصعيد الصحراوي الغربي، وطريق الجلالة، إلى جانب التوسع في وسائل النقل الجماعي الحديثة مثل المونوريل والقطار الكهربائي السريع.
وامتدت جهود التنمية إلى الريف المصري من خلال المبادرة الرئاسية" حياة كريمة"، التي تعد واحدة من أكبر المبادرات التنموية المتكاملة، حيث شهدت المرحلة الأولى تنفيذ نحو 23 ألف مشروع في 1477 قرية داخل 20 محافظة، استفاد منها نحو 18 مليون مواطن، مع توجيه نسبة كبيرة من الاستثمارات إلى محافظات الصعيد.
كما تستهدف المرحلة الثانية تطوير 1667 قرية إضافية يعيش بها نحو 21 مليون مواطن، بما يسهم في تحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والتعليم والصحة والبنية الأساسية.
وفي مجال التنمية البشرية، واصلت مصر تعزيز استثماراتها في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، الأمر الذي انعكس على تحسن مؤشر التنمية البشرية، لتظل ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.
وأسهمت برامج التأمين الصحي الشامل وتطوير التعليم وتمكين المرأة والتوسع في التحول الرقمي في دعم هذا التقدم وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
وعلى مدار أكثر من عقد منذ ثورة 30 يونيو، شكلت المشروعات القومية والإصلاحات الاقتصادية والتنموية ملامح مرحلة جديدة سعت إلى بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
وبينما لا تزال عملية البناء مستمرة، فإن ما تحقق في قطاعات الاقتصاد والطاقة والزراعة والبنية التحتية والتنمية البشرية يعكس حجم التحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، ويؤكد أن الجمهورية الجديدة قامت على رؤية تستهدف تعزيز قدرات الدولة وتحسين مستوى معيشة المواطنين وتهيئة بيئة أكثر قدرة على استيعاب متطلبات المستقبل.
وتعليقا على ما تشهده مصر من إنجازات في مختلف القطاعات، أكد اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجي أن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد حدث سياسي غيّر مسار الدولة المصرية، وإنما مثلت بداية مرحلة جديدة انتقلت خلالها مصر من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن مواجهة تحديات تهدد استقرار الدولة ومؤسساتها إلى تبني رؤية استراتيجية شاملة تستهدف بناء دولة قوية وحديثة وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح اللواء سمير فرج، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن ما جرى خلال السنوات التي أعقبت الثورة يؤكد أن القيادة السياسية تبنت مشروعًا وطنيًا متكاملًا ارتكز على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتنموية، مشيرًا إلى أن الدولة واجهت في عام 2013 تحديات غير مسبوقة على المستويات الأمنية والاقتصادية والخدمية، إلا أنها استطاعت خلال فترة زمنية وجيزة أن تضع أسس الجمهورية الجديدة القائمة على التخطيط العلمي والتنمية الشاملة.
وأضاف أن الإنجازات التي تحققت لا يمكن قياسها فقط بحجم المشروعات التي تم تنفيذها، وإنما بما أحدثته من تغيير جذري في قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، لافتًا إلى أن المؤشرات الاقتصادية الدولية أصبحت تعكس بصورة واضحة نتائج تلك السياسات.
وأشار إلى أن نجاح الدولة في خفض معدل التضخم بالتوازي مع تراجع معدل البطالة يعكس قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز تداعيات الأزمات العالمية والإقليمية، واستعادة مسار النمو رغم الظروف الاستثنائية التي يشهدها العالم.
وأكد فرج أن أحد أهم الدروس المستفادة من تجربة ما بعد 30 يونيو يتمثل في أن الأمن القومي لم يعد مفهومًا عسكريًا فقط، بل أصبح يرتبط أيضًا بالأمن الغذائي والطاقة والمياه والبنية التحتية وفرص العمل.
ومن هذا المنطلق، اتجهت الدولة إلى تنفيذ مشروعات استراتيجية ضخمة أسهمت في إضافة نحو 4.
5 مليون فدان إلى الرقعة الزراعية المصرية، بما يعزز قدرة الدولة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل فاتورة الاستيراد وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وأضاف أن قطاع الطاقة يمثل نموذجًا واضحًا للتحول الذي شهدته مصر خلال العقد الماضي، حيث انتقلت الدولة من مواجهة تحديات حادة في الكهرباء والطاقة إلى امتلاك بنية تحتية متطورة وفائض إنتاج يؤهلها للقيام بدور إقليمي محوري، خاصة في ظل التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
وأشار اللواء سمير فرج إلى أن ما تحقق في قطاع البنية التحتية لا يقل أهمية عن الإنجازات الاقتصادية، موضحًا أن الدولة نجحت في تنفيذ شبكة طرق ومحاور قومية غير مسبوقة ساهمت في ربط مناطق التنمية الجديدة بالموانئ والمراكز الصناعية والزراعية، وخفض زمن الانتقال وتكاليف النقل، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال.
وقال إن ما يميز التجربة المصرية بعد 30 يونيو هو أنها لم تعتمد على حلول مؤقتة أو إجراءات قصيرة الأجل، بل قامت على تأسيس بنية قوية للمستقبل من خلال الاستثمار في الإنسان المصري، وتطوير التعليم والرعاية الصحية، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب، والتحول الرقمي، وهي جميعها عناصر أساسية لبناء دولة عصرية قادرة على المنافسة في عالم سريع التغير.
وشدد على أن مصر بعد نحو ١٣ عاما من ثورة 30 يونيو أصبحت أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية بفضل ما تمتلكه من مؤسسات قوية وبنية تحتية حديثة واقتصاد أكثر تنوعًا، لافتا الى أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد إنجازات متفرقة، وإنما جزء من مشروع وطني متكامل نقل الدولة المصرية من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة التخطيط للمستقبل وصناعة التنمية وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة وقادرة على تحقيق تطلعات شعبها.
من جهته.
يقول اللواء طيار دكتور هشام الحلبي، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة تحول فارقة في مسيرة الدولة المصرية الحديثة، إذ لم تقتصر آثارها على استعادة الاستقرار السياسي والأمني، وإنما أرست الأساس لانطلاقة تنموية غير مسبوقة شملت مختلف القطاعات، وأسهمت في إعادة بناء الدولة على أسس قوية قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
وأضاف الحلبي، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط، أن ما شهدته مصر خلال السنوات التي أعقبت الثورة يعد أكبر عملية بناء وتنمية في تاريخها المعاصر، حيث نجحت الدولة في تنفيذ شبكة عملاقة من الطرق والمحاور والكباري غيرت خريطة الحركة والنقل داخل الجمهورية، وربطت بين المحافظات والمناطق العمرانية الجديدة، وأسهمت في تقليل زمن الانتقال وتكاليف النقل ودعم حركة التجارة والاستثمار.
وذكر أن قطاع الزراعة شهد طفرة نوعية غير مسبوقة من خلال إطلاق مشروعات قومية كبرى لاستصلاح ملايين الأفدنة، وفي مقدمتها مشروع الدلتا الجديدة ومستقبل مصر وتوشكى، بما عزز من جهود تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، فضلاً عن إدخال نظم الري الحديثة والتوسع في استخدام التكنولوجيا الزراعية.
وأشار المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية إلى أن الدولة لم تكتفِ بتطوير البنية التحتية والزراعة، بل أطلقت رؤية تنموية شاملة امتدت إلى قطاعات الإسكان والصناعة والطاقة والتعليم والصحة، حيث تم إنشاء مدن جديدة على أحدث النظم العمرانية، وتطوير المناطق غير المخططة، وتنفيذ مشروعات ضخمة في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، ما جعل مصر تمتلك بنية أساسية تعد من بين الأكثر تطوراً في المنطقة.
وأوضح أن حجم الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية يعكس وجود إرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى تستهدف بناء دولة عصرية قادرة على المنافسة وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل للشباب، مؤكداً أن التنمية التي تشهدها مصر ليست مشروعات منفصلة، وإنما خطة متكاملة لإعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية للدولة ورفع جودة حياة المواطنين.
وشدد الحلبي على أن ثمار ثورة 30 يونيو لم تقتصر على الحفاظ على الدولة الوطنية وإنقاذ مؤسساتها، بل امتدت لتشمل تأسيس مرحلة جديدة من البناء والتنمية الشاملة، وهو ما يظهر بوضوح في المشروعات القومية المنتشرة من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها، والتي تمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل الأجيال القادمة وتعزيزاً لقدرة الدولة المصرية على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية بثقة واقتدار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك