الخرطوم- بعد نحو أسبوعين من استمرار قصف قوات الدعم السريع مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، تصاعدت معاناة مواطني المدينة بسبب استهداف محطات الكهرباء والمياه والمحروقات.
ويعيش مئات الآلاف من سكانها وضيوفها من النازحين أوضاعا معقدة نتيجة تداخل أزمات المياه والكهرباء والوقود والخدمات الصحية، والخبز وارتفاع أسعار السلع وشح بعضها.
وبحسب مسؤول محلي تحدث للجزيرة نت طلب حجب اسمه، فإن غياب الكهرباء بعد قصف المحطة التحويلية الرئيسية وشح الوقود وانتشار قوات الدعم السريع في مدينة بارا التي توجد بها مصادر للمياه كانت تغذي الأبيض، يقفون وراء الأزمة.
وأوضح أن السلطات كانت تعالج الاختناقات في مياه الشرب من خلال نقلها عبر" الفناطيس" أو" التناكر" للأحياء لكنها صارت تستهدف بمسيرات هذه القوات.
ولمجابهة أزمة مياه الشرب، ناقشت مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان مع المنظمات الطوعية -أمس الأربعاء- هذا المشكل والتدخلات العاجلة المطلوبة لمعالجة النقص الحاد في إمداداتها.
وتحدث ممثل مشروع المياه والبيئة صابر محمد -خلال الاجتماع- بأن الفجوة في مياه الشرب تبلغ 79% حيث توقفت نحو 250 محطة جراء انقطاع التيار الكهربائي، وتجري ترتيبات لتوفير طاقة بديلة وتوسيع مواعين التخزين وصيانة وتحسين المحطات المتوقفة.
وخرج الاجتماع بتوفير 150" تانكر" من المنظمات الوطنية والأجنبية كاستجابة عاجلة لدعم الأحياء في مدينة الأبيض مجانا، بالإضافة إلى تأهيل المصادر الإنتاجية وحفر آبار جديدة وإنشاء محطات تحلية.
وتعهدت المنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني بتوفير 150" تانكر" لنقل المياه لدعم الأحياء الأكثر تضررا بالمدينة التي تتألف من 250 حيا سكنيا.
وقال المواطن إبراهيم سليمان من حي البترول بالأبيض -للجزيرة نت- إنهم باتوا يعانون في الحصول على مياه الشرب ويشترون البرميل بمبلغ 20 ألف جنيه (نحو 4 دولارات)، كما شكا من توقف حركة المواصلات بسبب انعدام الوقود، حيث بات الطلاب يضطرون للسير بأرجلهم إلى مدارسهم.
كما تشهد المدينة أزمة خانقة في الوقود، بعد توقف محطات الخدمة عن البيع نتيجة تعرضها للقصف المتكرر بالطائرات المسيرة وتدمير بعضها، واستهداف ناقلات محروقات في وسطها وخارجها ما أدى إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بمعدلات كبيرة.
وأوضح صالح الطاهر، وهو صاحب حافلة، للجزيرة نت أن سعر جالون الغازولين بالسوق الأسود بلغ نحو 120 ألف جنيه (نحو 24 دولارا)، وارتفعت تبعا لذلك تعرفة المواصلات العامة (الحافلات) بين مركز المدينة والأحياء إلى 2000 جنيه للفرد، وتوقفت غالبية الحافلات عن العمل ما دفع مواطنين إلى تقليل تنقلاتهم أو الاعتماد على السير على الأقدام داخل المدينة.
وعلى رغم أن الأسواق تعمل بصورة طبيعية، إلا أن أسعار السلع شهدت ارتفاعا كبيرا نتيجة أزمة الوقود وزيادة تكاليف النقل والتوزيع وشح بعض السلع، بعد استهداف قوات الدعم السريع بالمسيرات شاحنات كانت في طريقها للأبيض عبر الطريق الذي يربطها مع الخرطوم وولاية النيل الأبيض.
وامتدت الأزمة إلى الخبز حيث توقفت كثير من المخابز لانعدام الوقود وارتفاع أسعار طحين القمح وتكاليف التشغيل الأخرى، كما يقول صاحب مخبز في حي القبة للجزيرة نت.
ويشكو بعض المواطنين من استغلال تجار وأصحاب مخابز للأوضاع بزيادة أسعار السلع وتخزينها لخلق شح ومضاعفة أسعارها، ما دفع محلية شيكان -التي تقع فيها الأبيض- إلى التدخل عبر مباحث الشرطة لتدوين اتهامات في النيابة ضد مخزني المواد التموينية.
ورغم وجود منظمات ومبادرات محلية تعمل في مجالات الصحة وتوفير المياه، إلا أن حجم الاحتياجات لا يزال يفوق قدرات الاستجابة المتاحة.
ويقول الناشط في المجال الإنساني أمير سليمان للجزيرة نت إن الجهود التي تبذلها منظمات محلية تساعد في تخفيف الأزمة، لكنها لا تكفي لتغطية حاجة النازحين الذين يتجاوز عددهم نصف مليون شخص في مخيم رئيسي يأوي أكثر من 200 ألف، ومراكز إيواء عدة.
وتعرض المخيم الرئيسي الموحد لهجوم بطائرات مسيرة للدعم السريع الثلاثاء الماضي أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 17 آخرين، بينهم 9 أطفال، وفقا لما أعلنته السلطات المحلية.
من جهته، أفاد المتحدث باسم حكومة ولاية شمال كردفان جماع المهدي -للجزيرة نت- بأن قوات الدعم السريع استهدفت الأعيان المدنية والمرافق الحيوية لتعطيل الحياة وترويع المواطنين و" لكن الأبيض صامدة وتسير الحياة فيها بشكل طبيعي".
وأكد المهدي أن حكومة الولاية تضطلع بمهامها وتبذل جهودا كبيرة لتحسين كافة الخدمات في ظل ظروف استثنائية.
ولم تقتصر الأزمات على حاضرة ولاية شمال كردفان فقط، حيث تشهد مدينة أم روابة ثاني أكبر مدن الولاية أوضاعا معيشية صعبة تمثلت في ارتفاع غير مسبوق لأسعار السلع والخدمات، نتيجة شح الوقود وتراجع المقدرة الشرائية.
وأدى انقطاع الوقود إلى توقف حركة المركبات والآليات وانخفاض النشاط التجاري، كما تراجعت حركة القادمين من القرى المجاورة، ما جعل الأسواق تبدو شبه خالية من المواطنين.
وبحسب منظمة" محامو الطوارئ"، استهدفت ضربات شبه يومية بطائرات مسيرة منشآت حيوية، بينها محطات وقود ومنشأة الطاقة الرئيسية وشاحنات نقل الغذاء.
وقالت المجموعة -التي ترصد انتهاكات الحرب- إن مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان تشهد تدهورا إنسانيا متسارعا نتيجة القيود المفروضة على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية بين مناطق النزاع.
وقد حذر محمد رفعت رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، الثلاثاء الماضي، من أن مدينة الأبيض قد تشهد كارثة إنسانية خلال أسابيع، ما لم يُسمح بدخول المساعدات بشكل عاجل، مشيرا إلى المستوى المأساوي ذاته الذي شهدته مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك