هل الفن هو نتاج مخيلة الإنسان أم إعادة إنتاج لتجاربه الأكثر وجعا؟ تلك التجارب التي لا يطيق أن تبقى داخله، ولا يملك سبيلا إلا أن يشاركها على أمل أن تصبح شيئا مألوفا، على أمل أن يشاركه أحد حزنه، تلك الحاجة الملحة إلى التعبير.
هل نجد راحة وجودية حين نشارك حزننا؟سردية علاقة الألم بالإبداع تعاد حياكتها، وهذه المرة عن طريق مسرح شكسبير.
يتحدث الفيلم عن الفقد وكيف يؤثر في كل فرد من الأسرة، تجلس الأم في المنزل نفسه الذي توفي فيه ابنها وتبقى حبيسة الفراغ وألم فقده، بينما يعود الأب إلى حياته الطبيعية وعملهيأخذنا فيلم" هامنت" في رحلة للإجابة عن السؤال الأقدم الذي طُرح مع أول ضربة ريشة في يد رسام، وأول قصيدة كتبها شاعر، وأول نوتة لحنها موسيقار: هل الإبداع يولد من الألم والمعاناة أم أنه وليد العبقرية والموهبة أينما كانت؟في بداية الفيلم يواجه ويليام صعوبة في الحديث مع أغنيس، يخبرها أن التحدث مع الناس عسير عليه.
كان ذلك غريبا أن يصدر من كاتب مثله… لذا تطلب منه أغنيس أن يقص عليها حكاية بدلا من محاولة التعارف والحديث العادي، أخبرته أن يحكي قصة تحرك مشاعره.
وهذا ما فعله ويليام شكسبير طوال حياته: حكاية القصص التراجيدية.
يبدأ الفيلم مع أغنيس، الفتاة التي تزوجها شكسبير وكون معها أسرة جميلة، هم ابنتان وولد عاشوا سنوات بسعادة عامرة ومحبة في مزرعة ريفية، إلى أن قرر ويليام أن حياة الريف البسيطة لا يمكن أن تكفيه ولا تسبر غوره، فهو يحتاج إلى المزيد، يحتاج إلى أن يذهب إلى لندن، ومن هنا ستبدأ الأهوال تتربص بأسرته الصغيرة.
ويبدأ شكل السعادة يأخذ لونا آخر، كلون فستان أغنيس الأحمر الذي ارتدته طوال مدة الفيلم، ذلك اللون الغامق.
كلون أشعة الشمس وقت الغروب، لون الأمومة، لون الفقد والشوق، لون المرض، الرعب والموت.
يتحدث الفيلم عن الفقد وكيف يؤثر في كل فرد من الأسرة، تجلس الأم في المنزل نفسه الذي توفي فيه ابنها وتبقى حبيسة الفراغ وألم فقده، بينما يعود الأب إلى حياته الطبيعية وعمله.
فالحياة لا تتوقف بعد رحيل أحد، هكذا يقول ويليام لزوجته أغنيس وهو يحاول توديعها.
هل رهبة الفقد ووجعه تخف وطأتها مع الزمن؟ أم أن الأب الذي أمضى سنوات يبحث عن شبح ابنه مقدر له أن يظل هائما أبد الدهر دون أن يجد أي سلوان عن مصابه؟نشاهد الفيلم ينقسم إلى نصفين بعدها كما تنقسم الأسرة، فأغنيس تغضب على زوجها لأنه لم يكن حاضرا حين توفي ابنهما، ولأنه تابع حياته وعاد لعمله في لندن وتركهم في حداد، بينما نشاهد ويليام وهو يحاول أن يجد ما يتمسك به لكي لا يقضي عليه ثقل المصاب.
كُتب على ويليام أن يعطي ما تبقى من عمره في البحث عن ذكرى ابنه" هامنت" الذي انتزعه منه الموت عنوة دون أن يراه.
يبحث عنه في زوايا المدينة، في الموسيقى والفن، في الموت وفي الحياة، في كتاباته ومسرحياته.
يكتبه في إحدى أعظم مسرحياته" هامليت"، ويبدل" النونَ لاما"، يحييه من جديد، يعيد إحياء ذكراه على المسرح في أفضل شخصية كتبها وخلدها، وفي خيالات شخصيات متعددة من أعماله، ولكنه لا يجده، ولا يجد عزاء عن فقده، لا يجد سبيلا إلى معانقة ابنه لمرة أخيرة.
ومن هنا يخرج شكسبير للعالم، كاتبا عظيما ينسج تراجيديا مبكية على المسارح في كل الأزمان وكل الأماكن بحثا عن شبح ابنه، بحثا عما يملأ الفراغ الذي خلفه فيه، وعن عزاء يشاركه فيه العالم.
كانت سلوى شكسبير أنه جعل ابنه خالدا في الأدب، بينما ظنت أغنيس أن زوجها نسي ابنه وذهب ليعيش حلمه.
كان ويليام جاثما على ركبتيه متوسلا: أكون أو لا أكون.
تلك هي المسألة:أيهما أنبل للنفس: أن تحتمل مقاليع الدهر وسهامه الطائشة، أم تثور على بحر من الأحزان، فتنهيه بالمقاومة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك