عندما تتصاعد التوترات حول مضيق هرمز، تبدو المسألة للوهلة الأولى وكأنها مواجهة عسكرية أو صراع نفوذ بين دول كبرى.
تتحرك حاملات الطائرات، وتتبادل العواصم بيانات التهديد والردع، وتتابع الأسواق العالمية حركة النفط بقلق شديد.
لكن بالنسبة لملايين المواطنين في الشرق الأوسط، لا تنتهي القصة عند حدود الخرائط العسكرية أو ناقلات النفط العملاقة؛ إذ تبدأ آثارها الحقيقية داخل الأسواق والمحلات التجارية وفواتير الكهرباء والوقود.
أعادت الأزمة الأخيرة المرتبطة بالتوتر الأمريكي الإيراني وما تبعها من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز طرح سؤالا قديما جديدا: كيف تتحول صراعات الجغرافيا السياسية إلى فاتورة اقتصادية يدفعها المواطن العادي؟ فخلف المعارك العسكرية والتحالفات الدولية، تدور معركة أخرى أكثر هدوءا وأشد قسوة؛ معركة القدرة على الحفاظ على مستوى معيشي قابل للاستمرار.
وقد تسببت الاضطرابات الأخيرة في هرمز في موجات قلق واسعة في أسواق النفط والشحن العالمية، مع ارتفاع أسعار الخام وتصاعد المخاوف من تعطل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء لا يقرأ بوصفه رقما اقتصاديا مجردا، بل بوصفه تغييرا مباشرا في خيارات العائلة اليومية: ماذا يمكن شراؤه؟ وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟عندما يهتز مضيق ضيق ترتفع الأسعار في مدن بعيدةقد يبدو مضيق هرمز بالنسبة لكثيرين مجرد ممر بحري ضيق يفصل بين إيران وسلطنة عمان، لكنه في الواقع أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرا على إحداث ارتدادات تتجاوز المنطقة بأكملها.
وتشير التقديرات إلى أن حصة كبيرة من تجارة النفط البحرية العالمية تعتمد على استقرار هذا الممر الحيوي.
لكن تأثير ذلك لا يتوقف عند شركات الطاقة أو الحكومات.
فعندما ترتفع أسعار النفط أو تتضاعف تكاليف التأمين على السفن أو تتأخر حركة الشحن، تنتقل الكلفة تدريجيا إلى المستهلك النهائي.
ويصبح المواطن في القاهرة أو دمشق أو عمان أو بيروت جزءا من المعادلة، حتى لو لم يسمع يوما بتفاصيل الممرات البحرية.
فارتفاع أسعار النقل يعني ارتفاع كلفة السلع المستوردة، وارتفاع أسعار الوقود يعني ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل الداخلي، بينما يؤدي التضخم الناتج عن ذلك إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر التي تعاني أصلا من ضغوط اقتصادية متراكمة.
في العديد من دول الشرق الأوسط، لم يعد التضخم مجرد أزمة مؤقتة مرتبطة بحدث استثنائي، بل تحول إلى نمط مستمر من إدارة الحياة اليومية.
لم تعد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى منشغلة بتحسين مستوى المعيشة أو الادخار للمستقبل بقدر انشغالها بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
فأي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء لا يقرأ بوصفه رقما اقتصاديا مجردا، بل بوصفه تغييرا مباشرا في خيارات العائلة اليومية: ماذا يمكن شراؤه؟ وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟وتكمن المفارقة في أن المواطن الذي لا يشارك في صناعة القرارات الجيوسياسية، غالبا ما يكون أول من يتحمل نتائجها.
المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط اليوم ليست فقط معركة السيطرة على الممرات أو تأمين تدفق النفط، بل معركة حماية المجتمعات من آثار الأزمات المتلاحقةتتحدث الحكومات باستمرار عن أمن الطاقة، وعن مشاريع الربط الإقليمي، وخطوط الأنابيب، والممرات التجارية الجديدة.
وخلال السنوات الأخيرة، تسارع الحديث عن مشاريع إستراتيجية تشمل الربط البري والسككي والطاقة عبر الخليج وتركيا والعراق وسوريا وشرق المتوسط، في إطار سباق لإعادة رسم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
لكن السؤال الذي غالبا ما يبقى خارج النقاش هو: أين يقع أمن المواطن نفسه ضمن هذه المعادلات؟فبينما توقع اتفاقيات بمليارات الدولارات وترسم خرائط إستراتيجية جديدة، ما تزال قطاعات واسعة من السكان في المنطقة تواجه أزمات كهرباء ووقود وارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة.
إن المشكلة لا تكمن في خطوط الأنابيب أو الممرات نفسها، بل في الفجوة المتزايدة بين الجغرافيا الاقتصادية الكبرى والجغرافيا اليومية للناس.
من خرائط الطاقة إلى خرائط الغضبالمعركة الحقيقية في الشرق الأوسط اليوم ليست فقط معركة السيطرة على الممرات أو تأمين تدفق النفط، بل معركة حماية المجتمعات من آثار الأزمات المتلاحقة.
فالممرات التجارية قد تنقل الطاقة والبضائع عبر القارات، لكنها لا تضمن وحدها الاستقرار.
وعندما يشعر الناس أن الخرائط تعاد صياغتها فوق رؤوسهم من دون أن تتحسن حياتهم اليومية، تصبح الضغوط الاقتصادية نفسها عاملا من عوامل عدم الاستقرار.
في النهاية، لا يقاس أثر مضيق هرمز بعدد السفن التي تمر عبره فقط، بل بعدد العائلات التي ستدفع ثمن اضطرابه على موائدها وفواتيرها الشهرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك