تشهد المتاحف والمعارض والمكتبات في المملكة المتحدة تصاعداً في مستوى المخاطر الأمنية التي تجمع بين السرقات المنظمة والهجمات السيبرانية، في سياق تحولاتٍ تمس طريقة إدارة التراث الثقافي وحمايته داخل المؤسسات العامة.
ويستند هذا التقييم إلى تقريرٍ حديث صادرٍ عن لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم البريطاني، تناول سلسلة من الحوادث البارزة التي شملت اختفاء أو سرقة نحو 2000 قطعةٍ من المتحف البريطاني، إضافةً إلى الهجوم السيبراني الذي استهدف المكتبة البريطانية عام 2023 باستخدام برمجيات الفدية، والذي سبَّب تعطيل الأنظمة الرقمية لفتراتٍ ممتدة وتسريب بيانات تخص موظفين ومستخدمين.
وتُظهر معطيات التقرير أن البنية الأمنية داخل القطاع تواجه تحدياتٍ متداخلة تتصل بالمقتنيات المادية وبالأنظمة الرقمية التي تدير عمليات الجرد والتوثيق والحفظ، في ظل توسع الاعتماد على التقنيات الإلكترونية في إدارة المجموعات الثقافية.
الهجوم على المكتبة البريطانية يقدّم مثالاً مباشراً على حجم هذا التهديد، بعدما أدى إلى توقفٍ واسع في الخدمات الرقمية وتعطيل الوصول إلى أجزاء من الأرشيف، ما وضع المؤسسات الثقافية أمام طبيعةٍ مختلفة من المخاطر تتجاوز الأضرار المادية المباشرة.
غياب التنسيق المركزي يترك هذه المؤسسات أمام مستويات أعلى من المخاطروتورد المعطيات، بحسب ما ذكرته صحف بريطانية، بينها" الغارديان"، أن المتاحف والمعارض البريطانية حققت إيرادات ذاتية بلغت 563 مليون جنيه إسترليني خلال عام 2024–2025، مع تسجيل ارتفاع بنسبة تعد الخمسون بالمئة، مقارنة بسنة 2021–2022، في وقت تتواصل فيه الضغوط على البنية الأمنية والرقمية.
وفي المقابل، تراجع التمويل الحكومي الحقيقي بنسبة ست عشرة في المئة بعد انتهاء الدعم المرتبط بالجائحة/ كورونا، بينما لم يتم بعد استعادة مستويات الزوار إلى ما قبل الجائحة.
وتكشف بيانات الحوكمة المؤسسية عن وجود 15% من المناصب الشاغرة في مجالس أمناء المتاحف والمعارض الحكومية حتى أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مع متوسط زمن تعيين يصل إلى 219 يوماً مقارنةً بهدف حكومي محدد في تسعين يوماً.
ويستند التعامل الحكومي مع التهديدات السيبرانية إلى" خطة العمل السيبراني" الصادرة عن وزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا البريطانية (DSIT)، والتي تستهدف رفع مستوى الجاهزية الرقمية في المؤسسات العامة بحلول نهاية العقد.
تشمل هذه الخطة تعزيز قدرات الاستجابة للهجمات السيبرانية داخل المتاحف، ومعالجة نقص المهارات في الأمن الرقمي، وإنشاء أطر تنسيقية تجمع مسؤولي تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني في المؤسسات الثقافية، إضافة إلى تطوير تبادل الخبرات وصياغة مقاربات أمنية مشتركة، مع تخصيص موارد مالية محدودة لدعم التنفيذ.
وتوضح وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية (DCMS) أنها تعمل ضمن هذه الأطر على تعزيز التنسيق مع المتاحف والمعارض، وتطوير آليات دعم تتعلق بالأمن السيبراني وإدارة المخاطر الرقمية، في سياق خطةٍ وطنية أوسع للأمن الرقمي في المؤسسات العامة.
وقال رئيس لجنة الحسابات العامة السير جيفري كليفتون-براون في تصريح رسمي إن المتاحف والمعارض تمثل جزءاً أساسياً من البنية الثقافية في البلاد، مضيفاً أن التحديات الحالية تشمل الهجمات الإلكترونية وسرقة المقتنيات وتراجع أعداد الزوار، مع تأكيد أن" غياب التنسيق المركزي يترك هذه المؤسسات أمام مستويات أعلى من المخاطر".
وفي هذا السياق، يشير تقرير صادر عن شركة" Check Poin" للأمن السيبراني إلى أن هجوم المكتبة البريطانية عام 2023 مثّل نقطة تحول في فهم طبيعة التهديدات، بعدما أدى إلى شلل طويل في الأنظمة الرقمية وتسريب بيانات حساسة، مع تأكيد قدرة هذا النوع من الهجمات على تعطيل العمليات التشغيلية لفترات ممتدة.
وتشير المعطيات الأمنية المرتبطة بعمل المؤسسات الثقافية إلى مجموعة من التهديدات التشغيلية غير المباشرة التي تشمل الاعتماد المتزايد على مزوّدي الخدمات التقنية الخارجيين، وما قد يترتب عنه من نقاط ضعف إضافية في سلاسل الإمداد الرقمية، إضافةً إلى تحديات تتعلق بتقادم بعض البنى التحتية التقنية داخل عدد من المؤسسات، بما يحد من قدرتها على مواكبة التحديثات الأمنية المستمرة.
كما تبرز مخاطر مرتبطة بتعقّد أنظمة الأرشفة الرقمية وتعدد قواعد البيانات، وهو ما قد يؤدي في حالات الضغط أو الأعطال التقنية إلى صعوبات في استرجاع المعلومات أو ضمان استمرارية الوصول إليها.
وتضع تحليلات أمنية المؤسسات الثقافية ضمن الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، نتيجة اعتمادها على أنظمةٍ رقمية مترابطة تشمل الأرشفة والتذاكر الإلكترونية وشبكات الموردين الخارجيين، إلى جانب محدودية الموارد التقنية داخل عدد من المؤسسات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك