تفتح خديجة كيسا احتفظت فيه بقطع من القديد المجمد منذ عيد الأضحى.
تتفحصها بعناية قبل أن تضيف بعضها إلى قدر الكسكس الذي يتصاعد منه البخار في مطبخها.
بالنسبة لها، لا يتعلق الأمر بإعداد وجبة لليلة عاشوراء فحسب، بل باستعادة عادة رافقت العائلات المغربية لعقود طويلة.
list 1 of 2مكملات أوميغا 3.
هل يتفوق زيت الكريل على زيت السمك وزيت كبد الحوت؟list 2 of 2هل جربت المانغو مع الأفوكادو؟
مزيج غير متوقع يثير اهتمام الباحثينتقول خديجة للجزيرة نت إن والدتها وجدتها كانتا تحرصان كل عام على تجفيف جزء من لحم الأضحية والاحتفاظ به لهذه المناسبة، حتى أصبح حضور القديد على مائدة عاشوراء جزءا من طقوس الأسرة وذكرياتها.
وتضيف أن نساء العائلة يجتمعن في هذه المناسبة لتحضير الطعام بينما يرددن الأهازيج والأغاني الشعبية المرتبطة بعاشوراء، في أجواء تمتزج فيها نكهة الطعام بذكريات الطفولة وروح الاحتفال.
يُعد القديد من أشهر طرق حفظ اللحوم في المغرب.
ويُحضَّر مباشرة بعد عيد الأضحى باختيار قطع من اللحم، غالبا من الفخذ أو الأجزاء قليلة الدهون، ثم تُقطع إلى شرائح طويلة ويتم تتبيلها بالملح والثوم والكمون والفلفل الأحمر والكزبرة الجافة.
بعد أن تتشرب الشرائح التوابل، تُعلَّق تحت أشعة الشمس وفي أماكن جيدة التهوية لعدة أيام حتى تفقد معظم رطوبتها وتصبح صالحة للحفظ لأشهر طويلة.
وتختلف مدة التجفيف بحسب المنطقة والظروف المناخية، لكنها قد تمتد من بضعة أيام إلى أكثر من أسبوع.
وبعد اكتمال العملية يُخزن القديد إلى حين استخدامه في أطباق متنوعة، أبرزها الكسكس والطواجن، حيث يضفي نكهة قوية ومميزة اكتسبها من التمليح والتجفيف.
ورغم تغير أنماط العيش ووسائل حفظ الطعام، لا تزال هذه العادة حاضرة في عدد من البيوت المغربية.
فبعد أسابيع من عيد الأضحى، يعود القديد إلى الظهور على الموائد، ليصل بين مناسبتين دينيتين تجمعهما ذاكرة غذائية واحدة.
ويقول المؤرخ في تاريخ المطبخ المغربي هشام الأحرش إن علاقة الإنسان باللحم تعود إلى بدايات الحضارة، إذ كان من أوائل الأطعمة التي عرفها خلال مرحلة الصيد، ما جعله يحتل مكانة مركزية في الثقافة الغذائية للبشر.
ومع انتقال المجتمعات إلى الزراعة وتربية الماشية، ظهرت الحاجة إلى حفظ اللحم وتخزينه باعتباره موردا ثمينا لا يتوفر طوال العام، وهو ما يُعرف بتدبير الندرة.
وقد طورت الشعوب وسائل مختلفة للحفظ، مثل التجفيف في المناطق الحارة والتدخين في المناطق الباردة أو قليلة الشمس.
وقال الأحرش للجزيرة نت إن اللحم في المغرب ارتبط تاريخيا بالأعياد والمناسبات أكثر من ارتباطه بالحياة اليومية، إذ كان حضوره على المائدة حدثا استثنائيا في فترات طويلة من التاريخ.
لذلك حرص المغاربة على الاستفادة من مختلف أجزاء الذبيحة، وابتكروا طرقا لحفظ ما يتبقى منها، أبرزها الخليع (قطع لحم صغيرة تُحفظ مع الدهن) والقديد، لضمان استمرار وجود اللحم على موائدهم بعد انتهاء مواسم الذبح.
ويضيف الباحث في تاريخ المطبخ المغربي أن القديد لم يكن مجرد وسيلة لحفظ الطعام، بل جزءا من ثقافة اجتماعية مرتبطة بتدبير الموارد ومواجهة الندرة.
ومع مرور الزمن ارتبط استهلاكه بمناسبات معينة، من بينها عاشوراء، إذ كان يشكل مخزونا من لحم الأضحية يُستفاد منه بعد أشهر من العيد، في وقت لم يكن اللحم الطازج متوفرا بسهولة لدى كثير من الأسر.
ومن هنا أصبح الكسكس بالقديد واحدا من الأطباق التي تُحضَّر في عاشوراء لدى عدد من العائلات المغربية، إلى جانب طقوس اجتماعية أخرى تتنوع بين التجمعات العائلية بعد يوم من الصيام، وترديد الأهازيج الشعبية والاحتفاء بالمناسبة عبر شراء الدمى والألعاب للأطفال، وارتداء اللباس المغربي التقليدي.
ويقول الأحرش للجزيرة نت إن استمرارية كثير من التقاليد الغذائية المغربية لم تكن وليدة الصدفة، إذ لعبت القصور السلطانية دورا في حفظ هذا الإرث وتوارثه، عبر المحافظة على وصفات وأطباق ظلت حاضرة في الثقافة المغربية لقرون.
ورغم انتشار وسائل التبريد الحديثة وتغير العادات الغذائية، ما زال القديد يحتفظ بمكانته في كثير من المناطق المغربية.
وبين قطعة لحم جُففت عقب عيد الأضحى وطبق كسكس يُقدَّم في عاشوراء، تستمر حكاية تقليد قديم نجح في عبور الزمن، حاملا معه نكهات الماضي وذاكرة أجيال جعلت من حفظ اللحم أكثر من مجرد ضرورة معيشية، بل جزءا من الهوية الثقافية للمغاربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك