على رغم التشاؤم الطاغي على مصير بطلة رواية" السراب" أو في الأصل، " المخدوعة"، التي أصدرها الكاتب الألماني توماس مان، في عام 1953 لتكون واحدة من آخر رواياته الكبيرة، فإن القارئ لن يزعجه أن يخرج منها مع نهايتها الحزينة وقد استبدت به رغبة في الحب والحياة على عكس ما قد يكون قد عايش خلال السياق الحدثي للرواية، وبالتحديد خلال تماهيه مع السيدة فون توملر، تلك السيدة الخمسينية التي يتعلق بها وبرؤيتها ونهايتها المأساوية، ذلك العنوان الذي اختاره مان للرواية والمتحدث عما اعتبره سراباً كما سنرى بعد سطور.
لكن لا بد أن نتوقف عند مستوى مختلف من مستويات هذه الرواية التي دفعت النقاد إلى التساؤل عن جذور تلك العلاقة التي يقيمها فيها، كما في عدد أساسي من رواياته الكبرى، بين الإنسان والمرض.
وهنا من الضروري الإشارة إلى أن مان، في هذه الرواية أيضاً، وكما في" الجبل السحري" و" الموت في البندقية"، وحتى في جانب أساسي من جوانب" آل بودنبروك"، جعل من المرض فاعلاً جوهرياً في حياة الشخصيات الأساسية.
والمريض هنا هو بالتحديد السيدة روزالين فون توملر التي تعيش هي نفسها ذلك السراب الذي يجعلها تعتقد لفترة أن وقوعها في الحب تضافر بالنسبة إليها مع الطبيعة ليعيد إليها شباباً كانت شيخوختها، المبكرة في رأيها، قد هددتها بزواله، في ذات اللحظة وما إن وقعت في حب مدرس ابنها الفتي الأميركي، كين كيتون، إذ خيّل إليها أن بقع الدم التي رصدتها في جسدها هي دلالة على استعادة ذلك الشباب، غير دارية أن بقع الدم ليست سوى إشارة أولى لإصابتها بسرطان قاتل.
تدور هذه الرواية في مدينة داسلدورف من حول الحياة التي تعيشها السيدة فون توملر، في عشرينيات القرن العشرين، حياة كان يمكن أن تكون رغيدة وهنيئة، لولا مشكلاتها مع ولديها، الإبنة الثلاثينية المصابة بعاهة، وابنها المراهق الذي لا يبدو عليه أية مبالاة بشيء، باستثناء أن يرضي الشاب الأميركي الذي يتولى تدريسه ولا يهمه أبداً أن تكون أمه قد وقعت في غرام ذلك الشاب وبدأت تستعيد من خلاله علاقتها بالحب والحياة وتوقها إلى مقارعة الشيخوخة، وعلى الأقل من خلال حواراتها مع ابنتها التي جعلت منها نديمتها الوحيدة.
والحقيقة أن تلك العلاقة وتلك الشخصيات وتلك العائلة هي كل ما يحدث في هذه الرواية التي سرعان ما سيتبين لقارئها أن الكاتب إنما يستعيد فيها تلك العلاقة مع العدوين الأساسيين لكل فرد منا: المرض والشيخوخة.
ولكن النهاية تقول لنا، كما حال معظم نهايات روايات توماس مان، أن ذلك الصراع واهم وبالتحديد: هو سراب يتجسد على أية حال بذلك النزيف الدامي الذي سرعان ما يتحول من أمل للسيدة روزالي، إلى تعبير عن نهايتها اليائسة.
إذاً، تدور" السراب" من حول تلك الحبكة الأساسية في هذه الرواية، أي من حول تلك الأرملة التي بعدما استسلمت لفكرة التقدم في السن، تجد حياتها قد انقلبت حين تقع في الحب.
وهو ما يدفع توماس مان إلى طرح ضمني لسؤال يشغل باله هو: هل يستطيع الإنسان أن ينتصر على الزمن من خلال الحب؟من الواضح بالنسبة إلينا أن روزالين تؤمن الآن أن حبها الجديد قد أعاد إليها شبابها.
ومن هنا نجدها تشعر بأقصى درجات الرضى، تجاه عودة النزيف الشهري بعد انقطاع بوصفه واحدة من" معجزات الطبيعة"، بل حتى هدية من هدايا الحياة تؤكد أن جسدها قد عاد إلى خصوبته وشبابه.
لكنها لن تلبث، كما أشرنا أن تكتشف أنها إنما وقعت ضحية السراب بالمعنى الحرفي للكلمة.
إنه" سراب" بالمعنيين الحرفي والرمزي للكلمة.
فالنزيف الذي اكتشفته واعتقدته خصوبة ليس في حقيقته سوى إشارة قاتلة كما أسلفنا.
وبالتالي، من خلال هذه المفارقة القاسية، ها هو توماس مان يخبرنا أن الطبيعة" ليست تلك القوة الحنون التي تعايشها روزالين طوال الفصول الأولى من الرواية وتعتقدها نصيرة لها، بل تقول ذلك لابنتها بكل وضوح".
لكن صدمتها الكبرى ستكون حين تكتشف صدق ما تقوله لها ابنتها من أن الطبيعة قوة غامضة ملتبسة، تمنح الموت والحياة في آن واحد وتخدم الإنسان حين يخيل إليه أنه قادر على الإفلات من قوانينها.
وبالتالي فإن من يخدع روزالين ليس الآخرون، بل تخدعها الطبيعة نفسها ومن هنا جاء العنوان الألماني" المخدوعة"، في مفارقة إلى حد ما، مع ترجمة العنوان إلى الفرنسية، " السراب".
غير أن هذا لا يعني أن الرواية مجرد درس متشائم عن الشيخوخة.
فالكتاب لا يسخر بأية حال من الأحوال من بطلته، بل إن مؤلفه في كل لحظة من اللحظات يتعامل معها بقدر كبير من التعاطف هو الذي من مبادئه عادة أن تطلع الإنسان إلى الحب والرغبة، لا يمكنه أن يختفي مع تقدمه في العمر.
فالحب" حتى وإن كان وهماً يكشف عن حقيقة عميقة كاملة في داخل الإنسان: هي حاجته المستمرة إلى الحياة والشعور بأنه مرغوب فيه وقادر على العطاء".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولعل في مقدورنا في نهاية الأمر أن نقول، مع دارسي أدب توماس مان ونقاده، انطلاقاً مما سلف، إن الرسالة الأعمق للرواية، وهي على أية حال قد تكون معبرة عن وصية ما يتركها هذا الكاتب والمفكر الكبير للاتين من بعده، أن الإنسان يعيش دائماً بين الوهم والحقيقة.
إننا دائماً في حاجة إلى الأوهام كي نواصل الحياة، لكننا في النهاية لا بد لنا أن نصدم بدقائق ثلاث لا يمكننا أن نهرب منها: حقائق الجسد والزمن والموت.
وهو ما لخصه واحد من الباحثين بقوله" في هذا التوتر بين الرغبة الإنسانية وحدود الطبيعة، تكمن إحدى أهم الثيمات التي لطالما شغلت توماس مان طوال مسيرته الأدبية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك