تستدعي اللحظة الراهنة في منطقة الخليج العربي، ونحن نرقب تفاصيل المشهد العابر للعواصم، إمعانًا دقيقًا في قراءة الخرائط الإستراتيجية التي أُعيد رسم خطوطها بالدم والنار والدبلوماسية الخفية في آن واحد، حين يجلس وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة البحرينية المنامة، وبجوارهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فإننا لسنا أمام مجرد إجتماع بروتوكولي عادي تُلتقط فيه الصور وتتبادل الإبتسامات، بل نحن أمام لحظة مكاشفة تاريخية تجري تحت ظلال عاصفة لم تهدأ إلا لتبدأ من جديد.
إن القراءة المتمهلة لما وراء جدران المنامة المغلقة، تكشف أن المنطقة تقف على شفا تحول دراماتيكي في بنية الصراع الإقليمي، والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه إلحاحًا على طاولة النقاش: هل يستعد الخليج لمرحلة المحادثات المباشرة مع طهران؟ أم أن ما يجري هو ترتيب لخطوط دفاعية جديدة تحت مظلة التهدئة الهشة؟لكي نفهم حقيقة ما جرى في المنامة، يجب أن نعود بالذاكرة إلى الأسابيع القليلة الماضية، وتحديدًا إلى حرب الـ 118 يومًا التي عاشتها المنطقة، والتي بلغت ذروتها بضربات متبادلة، وتهديدات حقيقية طالت سلامة الملاحة في شريان الطاقة العالمي، مضيق هرمز،حيث أن التحرك الأمريكي الأخير نحو توقيع مذكرة تفاهم مؤقتة مع إيران لوقف الأعمال العدائية، لم يكن نابعًا من رغبة في صياغة سلام دائم، بل كان إجراءً إضطراريًا لمنع إنزلاق الشرق الأوسط نحو حرب شاملة تلتهم الإقتصاد العالمي، وجاء روبيو إلى الخليج لـ بيع هذا الإتفاق المؤقت لحلفائه، حاملاً معه رسائل طمأنة وتعهدات أمريكية صارمة بحماية أمن الخليج ومصالحه الإقتصادية،لكن ما تسرب من كواليس الإجتماع ينبئ بأن دول الخليج لم تعد تقبل بالوعود الشفهية، لقد ألقى وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني، بكلمات بدت في ظاهرها دبلوماسية، لكنها في جوهرها حملت شروطاً خليجية قاسية،إن التهدئة والتقدم المحرز عبر الممر المائي المؤقت الذي هندسته سلطنة عُمان هما خطوة إيجابية، لكن المحك الحقيقي يكمن في مدى إلتزام إيران الكامل بمنع التسلح النووي، وإحترام الملاحة الدولية، والكف التام عن التهديد الصاروخي،دول الخليج أثبتت، خلال الهجمات الأخيرة من هذا العام، إمتلاكها لمنظومة دفاع جوي متكاملة وعالية الكفاءة إستطاعت تحييد الخطر الصاروخي الإيراني بالتعاون مع واشنطن، هذا النجاح العسكري منح العواصم الخليجية موقع القوة لا الضعف، فلم تعد هذه الدول تتفاوض من موقع الخوف، بل من خلف جدار ردع صلب، كرسته المواقف الموحدة لمجلس التعاون في مجلس الأمن الدولي،الخليج اليوم مستعد لفتح قنوات إتصال مباشرة لإدارة الأزمة، شريطة أن تترجم طهران مذكرتها مع واشنطن إلى سلوك عملي على الأرض، يشمل وقف تحركات الحرس الثوري الإيرانيالمهددة للممرات البديلة في هرمز، والكف عن التدخل في الشؤون السيادية للدول الجارة،إننا إذاً أمام مشهد معقد؛ الولايات المتحدة تريد إستخدام المذكرة المؤقتة مع إيران كـ مسكّن للأوضاع الإقليمية حتى تضمن تدفق النفط وإستقرار الأسواق الدولية، بينما تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام مسؤولية تاريخية لحماية أمنها القومي بشكل ذاتي ومشترك، مستندة إلى مبدأ أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ.
والخلاصة الإستراتيجية التي يمكن الخروج بها من دهاليز إجتماع المنامة، هي أن الخليج لا يرفض الدبلوماسية ولا يغلق أبواب الحوار مع الجار الإيراني؛ فالخيارات الدبلوماسية وحسن الجوار كانت دائمًا في طليعة أدواته، لكن التوجه نحو أي محادثات مباشرة قادمة لن يكون شيكًا على بياض، بل سيكون محكومًا بالقدرة على الردع، ومدى التزام طهران بلغة العقل والحكمة، والتخلي عن أوهام الهيمنة الإقليمية.
إن مياه الخليج، التي بدت هادئة اليوم فوق السطح في المنامة، تخفي تحتها تيارات عنيفة من إعادة تموضع القوى، وسوف تخبرنا الأيام القادمة أي الطريقين ستسلكه المنطقة: طريق السلام الشامل المبني على إحترام السيادة، أم طريق الهدنة المؤقتة التي تسبق عاصفة أشد ضراوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك