يُنشر هذا المقال قبل مباراة مصر وإيران فى كأس العالم، التى أتمنى أن تنتهى لصالح الفريق المصرى، الذى حقق إنجازاً غير مسبوق وهو الفوز بمباراة لأول مرة فى تاريخ البطولة الذى يقترب من قرن كامل! ونتمنى أن يحقق إنجازاً آخر بالوصول إلى الأدوار النهائية.
وإن كنت شخصياً أتمنى أن تكون إيران هى الفريق الثانى الذى يتأهل من المجموعة، لأسباب كثيرة منها مجرد الشماتة فى العدوين الصهيونى والأمريكى، والأهم من دعاة الاستسلام والخنوع أمام قوى البطش والظلم.
رحلة مصر مع كأس العالم دراما قومية ممتدة، مثلما هو الحال مع معظم بلاد العالم التى تشارك، أو تحلم بالمشاركة، فى المونديال، وبتحقيق نتائج جيدة، تتراوح من الأداء المشرف فى المجموعات وصولاً إلى العودة لبلادهم بالكأس المشتهى، وكأنه الكأس المقدس فى الأسطورة الإنجليزية، أو كأس إكسير الحياة فى أساطير الشعوب المختلفة الذى يحقق الخلود لكل من البطل وشعبه!لا شىء يقترب من الدراما تشويقاً وإثارة للمشاعر والأدرينالين ولا شىء يعادل الفن إثارة للشعور السامى بالجمال أكثر من الرياضات التنافسية، وبالأخص كرة القدم، التى اجتمعت فيها مقومات وعوامل جذب كثيرة، خاصة تلك المسابقة الفريدة المسماة بكأس العالم، التى تتجسد خلالها أحلام وإمكانيات وعزائم الشعوب، حتى لو كان بشكل رمزى لا يعكس حجم هذه البلاد فى مجالات أخرى «أهم»، مثل الاقتصاد والعلم والتحضر، بدليل أن معظم البلاد التى حصلت على الكأس ليست من القوى العظمى المعتادة.
ولكن بالنسبة لكثير من الشعوب فإن الفوز بمباراة كرة قدم، حتى بضربات الجزاء التى يغلب عليها الحظ الأعمى أحياناً، قد يكون أهم من تحقيق قفزة اقتصادية وعلمية، أو حتى الفوز فى معركة سياسية، وهذا، لعمرى! ، من أغرب ما يتصف به الجنس البشرى على كثرة الغرائب التى يتسم بها!وأعتقد أن السبب فى ذلك هو تلك الدراما الكامنة فى اللعبة، أكثر من أى رياضة أو مجال آخر، حيث يمثل اللاعبون الأحد عشر أنماطاً مختلفة من الشخصيات، منهم البطل المهاجم الهداف، والبطل المتصدى للهجمات، والحكيم والسريع والقوى البنية، وفى الوقت الذى يتعين فيه على كل هؤلاء أن يشكلوا فريقاً متجانساً يمكنه تحقيق ما لا يستطيع أى فرد بمفرده تحقيقه، فإنهم يواجهون خصماً تتوفر له المقومات نفسها، قد يكون أقل أو أفضل فى الإمكانيات، ولكن الحلم بتحقيق الانتصار عليه يظل قائماً، وفى الحقيقة كلما كانت إمكانيات الخصم أقوى، كان الفوز أجمل وأكثر إثارة للفخر والعزة القومية!فى كرة القدم علم وتخطيط وهندسة، ما يجعل الفوز عادة من نصيب الأقوى بدناً وعقلاً، ولكن هذه مجالات حسابية جامدة تخلو من الدراما.
المثير فى كرة القدم أن هذه العوامل المنطقية العلمية لا تكفى عادة للفوز إذا كان القدر معاكساً والحظ غير مواتٍ، وكم من فرقة تمطر شباك الفرقة الأخرى بعشرات الكرات التى يتصدى لها القائم والعارضة أو قدم عشوائية لمدافع، أو حتى خطأ تحكيمى مثل هدف مارادونا فى إنجلترا، الذى وصفه عقب المباراة بأنها كانت «يد الله» لا يده.
و«يد الله» بالمناسبة هو عنوان الفيلم الجميل الذى أخرجه الإيطالى باولو سورينتينو، والذى يعقد مقارنة غير مباشرة بين تدخل القدر فى هدف مارادونا، وتدخله فى حياة صانع الفيلم الذى نجا من الموت فى حادث راح ضحيته أبوه وأمه بمصادفة عمياء رأى المحيطون به أن وراءها «يد الله».
هذا الإحساس القدرى الشديد فى مجال كرة القدم نراه فى تمسك اللاعبين والجمهور الشديد بأهداب الإيمان، بالرغم من أن معظم هؤلاء اللاعبين والمشاهدين قد يكونون علمانيين منطقيين بل وغير متدينين فى حياتهم العادية.
ولكن بمجرد النزول إلى أرض الملعب، يشعرون بأن مصيرهم فى يد قوى عظمى تتجاوز المعادلات الرياضية والحقائق العلمية التى تحكم مجالات الحياة الأخرى.
من أجمل الأفلام التى صُنعت عن كرة القدم الفيلم الألمانى «معجزة بيرن»، إخراج زونكه فورتمان، 2003، الذى يروى القصة الحقيقية العجيبة لحصول ألمانيا على كأس العالم الذى أقيم فى مدينة بيرن السويسرية فى 1954.
التى لم يجد لها الألمان والعالم سوى وصف «المعجزة»، لأن ما حدث كان يفوق أى حسابات وتوقعات علمية ومنطقية، بجانب الظروف العجيبة التى تدخلت لتجعل الفريق الألمانى يفوز على القوة العظمى الأكبر فى كرة القدم وقتها، وهى فريق المجر الذهبى، الذى لم يكن قد خسر أمام أى بلد آخر أكثر من أربع سنوات.
هذا الانتظار الدائم للمعجزة، هذا الدعاء المتصل من قبل الجمهور، وإشارات اللاعبين الدينية قبل وأثناء المباريات وخاصة بعد تحقيق الأهداف، تبين بوضوح لا لبس فيه الجانب الدرامى الدينى فى كرة القدم الذى لا نجده بهذا الشكل والقدر فى الألعاب أو المجالات الأخرى، باستثناء المواجهات الحربية ربما، التى يدخلها الجندى تاركاً نفسه بالكامل بين يدى القدر.
ودائماً ما يدهشنى هؤلاء المقبلون على القتل (قتل الآخرين أو التعرض للقتل) وهم يهتفون باسم الله، ولكن ليس بقدر دهشتى من المتنافسين فى مباراة كرة قدم وكل منهم يدعو لله مع كل ركلة للكرة، سواء كانت متجهة إلى شباك فريق الخصم أو إلى شباك فريقه، وكأن «يد الله» سبحانه وقدمه تشاركان بالفعل فى هذا التهافت العبثى على كرة تتخاطفها أقدام اللاعبين!لا يتوقف الناس عادة أمام هذه الملاحظات الغريبة، ويتعاملون معها كمسلمات وثوابت، وليس هناك تفسير لذلك سوى هذا البُعد الدرامى الدينى لكرة القدم الذى يندر أن نجده فى مجالات غير الفنون الدرامية.
وحتى نفهم هذه العلاقة بشكل أوضح ربما علينا أن نستذكر أو نستدعى تلك العلاقة العضوية القديمة بين الدين والدراما، فقد ولدت الدراما المسرحية الأولى، سواء على هيئة رقص أو أداء تمثيلى صامت ثم ناطق، بين جدران المعابد الفرعونية والشرقية، كجزء من الطقوس والصلوات الدينية.
ولا يسعنى حين أشاهد رقصات الجماهير المميزة (ومن ينسى السامبا البرازيلية أو غيرها من رقصات اللاعبين والمشجعين المماثلة) بأقنعتهم البدائية الملونة وموسيقاهم الإيقاعية العتيقة، إلا أن أتذكر الطقوس الشعبية القديمة التى كانت، ولم تزل، تمارسها الجموع فى الاحتفالات الدينية وشبه الدينية فى الحضارات القديمة والتى قد تكون تحولت إلى طقوس رمزية عصرية أوضح تجلياتها هى ملاعب كرة القدم.
لا شىء يضاهى الدراما فى جاذبيتها وتشويقها وجمالها ومخاطبة الجانب الروحى داخل الإنسان أكثر من كرة القدم وكأس العالم فى كرة القدم.
وقد تكون كل هذه الخواطر مجرد نتاج عقل يعانى من المشاهدة المفرطة لمباريات المونديال خلال الأيام الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك