طهران- “القدس العربي”: تم تحديد مصير آخر مفقود في حادثة الهجوم على مدرسة “شجرة طيبة” في مدينة ميناب بمحافظة هرمزكان جنوب إيران، التي قُتل فيها 168 طالباً ومعلماً وموظفًا في هجوم صاروخي خلال الحرب الأخيرة.
وماكان نصيري، التلميذ البالغ من العمر 8 سنوات في هذه المدرسة كان آخر ضحايا الهجوم الذين بقي مصيرهم مجهولاً لأكثر من 100 يوم، قبل أن تؤكد نتائج التحقيقات أنه قُتل في الهجوم ولم يبقَ أي أثر من رفاته بسبب شدة الانفجار.
وقال مجتبى قهرماني، رئيس السلطة القضائية في هرمزكان، إن الخبراء توصلوا إلى استنتاج مفاده أن الصاروخ أصاب جسد هذا التلميذ بشكل مباشر، ولذلك لم يبقَ أي أثر من رفاته.
وأضاف أنه حتى في المرحلة الأخيرة من عمليات البحث، التي شملت فحص عينات الشعر والبقايا المحتملة للضحايا، لم يتم العثور على أي دليل يعود إلى ماكان نصيري.
والأشياء الوحيدة التي عُثر عليها له كانت فردة حذاء واحدة وحقيبته المدرسية الممزقة.
وأضاف أنه رغم عشرات مراحل البحث، وأكثر من 100 عملية أخذ عينات للحمض النووي، وأشهر من أعمال التفتيش والتمشيط، لم يُعثر على أي أثر لجثمان ماكان نصيري.
وبعد ساعات قليلة فقط من بدء الهجمات صباح يوم 28 فبراير/ شباط، تعرضت هذه المدرسة لهجوم صاروخي أسفر عن مقتل 168 شخصاً، من بينهم تلاميذ ذكور وإناث ومعلمون وأفراد من الكادر المدرسي.
ومع ذلك، ظل مصير أحد الضحايا مجهولاً منذ ذلك الحين، إذ لم يُعثر على أي أثر له.
وكان يوجد في المدرسة وقت الحادثة نحو 360 تلميذاً و35 من أعضاء الهيئة التعليمية.
كانت مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية قبل الهجوم واحدة من المدارس المعروفة في مدينة ميناب.
وتقع المدرسة في منطقة سكنية، ووفقاً للمسؤولين المحليين، لم يكن لها أي استخدام عسكري.
وقال شهود عيان لوسائل الإعلام المحلية إن التعرف على هوية العديد من الضحايا لم يكن ممكناً في الساعات الأولى بعد الهجوم.
وقد بلغت شدة الانفجارات حداً أدى إلى تمزق أجزاء من الجثث، واضطرت فرق الإنقاذ والطب الشرعي إلى العمل لأيام من أجل جمع البقايا والتعرف على الضحايا.
وأصبحت قصة ماكان نصيري خلال الأشهر الماضية واحدة من أكثر الروايات الإنسانية تأثيراً في هذه الحادثة.
ففي الوقت الذي تمكنت فيه عائلات كثيرة من التعرف على جثامين أبنائها ودفنهم بعد أسابيع من الانتظار، ما زالت عائلة ماكان تواجه واقعاً مؤلماً يتمثل في الاختفاء الكامل لأي أثر لابنها.
وقال والد ماكان في حديث لوسائل إعلام محلية إن حياته منذ يوم الحادثة أصبحت بين المشارح ومراكز الطب الشرعي وموقع الحادثة والمنزل.
وأضاف أن الأسرة كانت تتوجه في كل مرة يُعلن فيها عن العثور على بقايا جديدة للضحايا على أمل أن تكشف الفحوص الجينية عن ابنهم، إلا أن أياً من العينات لم تكن تعود إليه.
ويرى خبراء الطب الشرعي أن شدة الانفجار والاصطدام المباشر للصاروخ بالمكان الذي كان يوجد فيه التلميذ قد يكونان السبب الرئيسي في عدم بقاء أي أثر من رفاته وأن بعض الحوادث الناتجة عن انفجارات شديدة للغاية قد تؤدي إلى زوال كامل للأجزاء القابلة للتعرف عليها من الجثمان، وإن كانت مثل هذه الحالات نادرة جداً وقليلة الحدوث.
وفي حين تحمل طهران الولايات المتحدة مسؤولية هذا الهجوم، حاول المسؤولون الأمريكيون في مواقف مختلفة تجنب الإدلاء بتصريحات قاطعة بشأن المسؤولية عن الحادثة.
وفي الأيام الأولى بعد الهجوم، حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران مسؤولية الحادثة، مدعياً أنها وقعت بسبب “خطأ تسليحي إيراني”.
لكن موقفه تغير لاحقاً بعد نشر تقارير حول النتائج الأولية للتحقيقات العسكرية الأمريكية.
ففي 17 يونيو/ حزيران 2026، قال ترامب للصحافيين: “لم يستهدف أحد تلك المدرسة عمداً”، مؤكداً أن التحقيقات لا تزال جارية وأنه يجب انتظار النتائج النهائية.
وقال ترامب، مؤخراً، أيضاً، بشأن الهجوم على مدرسة ميناب: “لم أرَ دليلاً يقنعني بأن الصاروخ كان من جانبنا”.
وخلال لقائه مع مارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في البيت الأبيض، الأربعاء، شكك ترامب في دور الجيش الأمريكي في القصف المميت لمدرسة ميناب، قائلاً: “ما حدث كان مروعاً، لكن في ذلك الوقت كانت الصواريخ تنطلق من كل اتجاه.
قال البعض إن هذا الصاروخ كان تابعاً لنا، لكنه ربما لم يكن صاروخنا أصلاً.
لم أرَ أي دليل يقودني إلى هذا الاستنتاج.
لقد أطلقت دول أخرى أيضاً أعداداً كبيرة من الصواريخ”.
وكان ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، قد صرح في وقت سابق بأن وزارة الحرب تراجع جميع أبعاد الحادثة، وأن الولايات المتحدة “لا تستهدف مدرسة عمداً أبداً”.
وأضاف أن واشنطن تنتظر استكمال التحقيق الرسمي الذي يجريه البنتاغون، وبعد ذلك سيتم اتخاذ القرار بشأن النتائج.
وقد قال قائد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”، براد كوبر، أن تقييم الجيش الأمريكي لقصف مدرسة مدينة “ميناب” معقّد، لأنها كانت تقع داخل موقع يُقال إنه يضم قاعدة صاروخية إيرانية.
ودعا سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة لمجلس الأمن يوم الخميس 25 حزيران/ يونيو الحالي، إلى محاسبة كاملة لجميع مرتكبي ومخططي وقادة “الجريمة المروعة” التي استهدفت مدرسة “ميناب”، معتبراً أنها جريمة حرب.
وفي الوقت نفسه، تحولت حادثة ميناب تدريجياً من ملف عسكري وقانوني إلى رمز اجتماعي ووطني في إيران.
وانتشرت صور الحقيبة الممزقة وفردة الحذاء الوحيدة المتبقية لماكان على نطاق واسع في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
وأصبح شعار “ميناب 168″، في إشارة إلى عدد الضحايا المعلن للهجوم، يُستخدم خلال الأشهر الماضية في مراسم التأبين وعلى شبكات التواصل الاجتماعي وفي الأنشطة الثقافية.
وقد وصل هذا الشعار حتى إلى مجالي الرياضة والدبلوماسية.
فقد ظهر شعار “ميناب 168” على هيكل الطائرة التي أقلّت الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس الوفد الإيراني المفاوض، وعباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، خلال رحلتيهما إلى إسلام آباد في باكستان وزيورخ في سويسرا لإجراء المفاوضات مع واشنطن.
كما ظهر الشعار نفسه على الطائرة التي أقلّت مسعود بزشكيان في زيارته الأخيرة إلى إسلام آباد.
وأجرى قاليباف قبل سفره إلى سويسرا للمفاوضات اتصالاً مرئياً مع عدد من عائلات التلاميذ الذين قُتلوا في مدرسة ميناب.
كذلك ارتدى دبوساً على سترته يحمل صورة حقيبة مدرسية والرقم 168، في إشارة إلى التلاميذ الذين قُتلوا في مدرسة ميناب.
وأُطلق أيضاً اسم “ميناب 168” على بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم المشاركة في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك، تخليداً لذكرى التلاميذ الذين قُتلوا.
وارتدى لاعبو المنتخب الإيراني بدورهم أثناء سفرهم إلى المكسيك للإقامة في معسكر مدينة تيخوانا والاستعداد لانطلاق البطولة دبابيس على ستراتهم تحمل رمز “هاشتاغ 168″، وهو ما دفع نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي بتوجيه رسالة إلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مدعياً أن هذه الدبابيس تحمل رسائل سياسية وتتعارض مع مبدأ حياد الرياضة، وطالب باتخاذ إجراءات بشأنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك