حملت شهادة الطيار الأمريكي الذي أُسقطت طائرته F15 في أفريل الفارطوالتي أدلى بها في جلسة إحاطة مع مسؤولي الاستخبارات الأمريكية، مفاجأة لم يكن مجتمع الاستخبارات الأمريكي مستعدا لها، والمفاجأة لم تكن قط متعلقة بالمسائل الفنية لسقوط الطائرة، بل ما رأته عينا الطيار قبل أن يُقذف به خارج قمرة القيادة.
وما شهده الطيار وفق أقواله هو تشكيل من الطائرات المسيّرة يتحرك في السماء وصفه بـ»قنديل بحر» عملاق، وصف أثار مخاوف وشكوك مجتمع الاستخبارات الأمريكي، فما يصفه الطيار مجازا بقنديل بحر هو تشكيل متناغم ودقيق من الطائرات المسيّرة، تشكيل يقوم على طائرة مسيّرة «أم» تحيط بها وحدات أصغر حجما تتحرك بتناغم ككيان واحد.
شهادة وجدت طريقها لتغادر الغرف المحصنة لمجمع الاستخبارات الأمريكي وتصل إلى غرف الأخبار لكبرى وسائل الإعلام الأمريكية التي نقلت الشهادة وما بثته من مخاوف لدى القيادات الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية، حتى قبل التأكد من مدى دقة الإحاطة/شهادة الطيار، والسبب في هذا ليس الجانب التقني الذي قد تكون إيران حققت فيه اختراقا، بل الأثر السياسي والجيوسياسي لكل اختراق في مجال استعمال الطائرات المسيّرة عسكريا.
فعالم اليوم الذي نعرفه، والذي تشكلت ملامحه منذ الحرب العالمية الأولى، شهد دخول الطائرات لأول مرة في الاستعمال العسكري والحربي قبل أن تترسخ في الحرب العالمية الثانية كعنوان للتفوق والهيمنة وفق معادلة مفادها أن من يسيطر على السماء يسيطر على الحرب.
معادلة كان التفوق فيها للولايات المتحدة الأمريكية التي أثبتت موقعها كقوة عسكرية جوية مطلقة سواء في حرب الخليج الأولى أو الثانية وما بينهما من عمليات وتدخلات تحت مظلة حلف الناتو، مرحلة هيمنت فيها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بفضل هيمنتها الجوية التي لم تهددها إلا بعض المحاولات السوفياتية/الروسية والفرنسية، واليوم الصينية.
قبل أن تظهر خلال السنوات الخمس الفارطة دول صغيرة ومتوسطة بأدواتها الجديدة، الطائرات المسيّرة، وهي هنا لم تكن من اكتشفها أو ابتدع تقنيتها بل من نجح في تفكيك هذه التقنيات المعقدة وتبسيطها وخفض تكلفتها، على عكس القوى العظمى التي وإن كانت أول من أدمج الطائرات المسيّرة في سلاحها الجوي إلا أن ذلك كان يعاني من خللين أساسيين، التكلفة المالية والتشغيلية العالية للطائرات والتعقيدات التقنية والتكنولوجية.
معضلة نجحت إيران عبر تطويرها لمسيرة الشاهد في تجاوزها، ولاحقا عبر النسخ الأحدث سواء من شاهد أو من مشاريعها المختلفة.
نجاح هذا الصنف من الطائرات منخفضة التكلفة وسهلة التصنيع تأكد في الحرب الروسية الأوكرانية، ولاحقا في المواجهات بين إيران ومحور المقاومة ودولة الاحتلال، ثم في حربي 12 يوما والأربعين يوما.
مسيّرات أعلنت أن القوة العسكرية الجوية لم تعد حكرا على القوى العظمى والدول الغنية، كما أنها لم تعد تتعلق بحجم الأسطول وعدد المقاتلات أو حاملات الطائرات، بل باتت تحدد بمدى قدرة هذه الشبكة القتالية الجوية على أن تكون مرنة ومنخفضة التكلفة.
واليوم، وإن تأكدت المعطيات التي قدمها الطيار الأمريكي، فإننا نكون أمام متغير كبير في المعادلة، مماثل في نتائجه لثورة الحديد ومشابه لثورة البارود والبنادق، وثورة الطائرات والنووي، متغير يعيد ترتيب توازن القوى العسكرية ويعيد تعريف شروط الهيمنة والنصر، فما نحن أمامه لا يقتصر على القدرة على تصنيع طائرات مسيّرة بكميات كبيرة وتكلفة منخفضة، وهو التميز الإيراني الأوكراني، بل ما نحن في مواجهته هو اختراق عسكري يتمثل في دمج الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في الصناعة العسكرية الجوية بهدف خلق شبكة من الطائرات المسيّرة المندمجة التي تعيد تعريف الحرب اقتصاديا واستراتيجيا.
ففي 1200 قبل الميلاد انهارت إمبراطوريات ونشأت أخرى بفضل ثورة الحديد، التي تمثلت في صناعة أسلحة من خام الحديد الذي يتميز بوفرته وانخفاض تكلفته وصلابته، مقابل البرونز عالي التكلفة ومنخفض الصلابة وأقل وفرة.
وهنا نحن اليوم في لحظة مشابهة، تحل فيها الطائرات المسيّرة محل الأسلحة الحديدية، وتلعب فيها الطائرات عالية التكنولوجيا والتكلفة محل البرونز.
تحول تاريخي يسمح لقوى صاعدة ومتوسطة بأن تتحكم كليا في سلسلة الإنتاج والتصنيع من التزود بالإمدادات إلى آخر محطات الإنتاج، وهي هنا لا تحتاج إلى استنساخ أو تقليد التكنولوجيا الغربية الأكثر تعقيدا وتطورا بل إلى ابتداع حلولها التقنية وتجاوز التفوق الغربي، وهو ما يتحقق اليوم، فإيران وروسيا والصين وأوكرانيا وتركيا من أهم مصنعي الطائرات المسيّرة في العالم، وصناعاتها تتميز بانخفاض التكلفة ووفرة الإنتاج، ما يجعلها قادرة على مواجهة القوى الكبرى وتهديد هيمنتها لا بفضل التفوق التقني بل بفضل رفع كلفة المواجهة كما رأينا في الحرب الأخيرة بين أمريكا وإيران.
حرب أثبتت أن أنظمة الدفاع الجوي التي تتميز تكلفتها الباهظة لم تكن ناجعة أمام أسراب الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، وهذا أحد دروسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك