يُنظر عادة إلى أي اتفاق أمريكي إيراني يؤدي إلى خفض التوتراتفي منطقة الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية باعتباره خبرا إيجابيا للأسواق العالمية وللدول المستوردة للطاقة.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي، بل هو أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية.
غير أن عودة الملاحة إلى طبيعتها لا تعني بالضرورة عودة صادرات النفط إلى مستوياتها السابقة بشكل فوري، إذ توجد جملة من العوامل الاقتصادية واللوجستية والسياسية التي قد تجعل عملية استعادة التدفقات النفطية أكثر تعقيدا مما يبدو للوهلة الأولى.
أول هذه العوامل يتعلق بالتأمين البحري.
فعندما تشهد منطقة ما توترات عسكرية أو تهديدات أمنية، ترتفع أقساط التأمين على السفن بشكل كبير.
وحتى بعد التوصل إلى اتفاق سياسي وفتح المضيق مجددا، فإن شركات التأمين الدولية لا تسارع عادة إلى خفض معدلات المخاطر بصورة فورية.
إذ تحتاج هذه الشركات إلى فترة من الزمن للتأكد من استقرار الوضع الأمني وعدم وجود تهديدات محتملة للسفن التجارية.
ولذلك قد تستمر تكاليف النقل البحري عند مستويات مرتفعة، وهو ما ينعكس على حجم الصادرات وقدرة المنتجين على المنافسة.
العامل الثاني يتمثل في الحذر الذي تبديه شركات الشحن العالمية.
فقد أثبتت الأزمات الدولية المتكررة أن الشركات الكبرى أصبحت أكثر ميلا إلى إدارة المخاطر من البحث عن الأرباح السريعة.
لذلك فإن العديد من شركات النقل البحري قد تفضل الانتظار لبعض الوقت قبل إعادة توجيه أساطيلها إلى منطقة الخليج بكامل طاقتها، خاصة إذا كانت قد أعادت تنظيم خطوطها التجارية خلال فترة الأزمة.
ومن شأن هذا التردد أن يحد من سرعة عودة حركة التصدير إلى مستوياتها المعتادة.
كما أن الأسواق النفطية لا تتحرك فقط بناء على الواقع الحالي، بل أيضا وفق التوقعات المستقبلية.
فإذا اعتقد المتعاملون في الأسواق أن الاتفاق الأمريكي الإيراني هش أو قابل للانهيار في أي لحظة، فإن حالة عدم اليقين ستظل قائمة.
وفي هذه الحالة قد تواصل الشركات والمستوردون الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة أو الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية مرتفعة تحسبا لعودة التوترات.
وهذا السلوك يؤدي إلى تراجع الطلب الفوري على النفط الخليجي مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة.
وتبرز أيضا مشكلة المخزونات النفطية العالمية.
فخلال فترات التوتر أو انقطاع الإمدادات، تلجأ الدول المستهلكة الكبرى إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية أو زيادة مشترياتها من مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والنرويج.
وبعد انتهاء الأزمة تصبح هذه الدول أقل حاجة إلى شراء كميات إضافية من النفط في المدى القصير لأنها تمتلك مخزونات كافية.
وبالتالي فإن المنتجين الخليجيين قد يواجهون فترة انتقالية قبل استعادة مستويات الطلب السابقة.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل التحولات الجيوسياسية التي تطرأ أثناء الأزمات.
فقد تدفع المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة العديد من الدول إلى تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على منطقة الخليج.
وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في إنتاج النفط والغاز خارج الشرق الأوسط، إضافة إلى توسع مشاريع الطاقة المتجددة.
وإذا نجحت بعض الدول في إيجاد بدائل مستقرة خلال فترة الأزمة، فإن جزءا من الطلب قد لا يعود بالكامل إلى النفط الخليجي حتى بعد إعادة فتح المضيق.
أما بالنسبة لإيران نفسها، فإن الاتفاق السياسي لا يعني تلقائيا عودة صادراتها النفطية إلى أقصى طاقتها.
فالعقوبات الاقتصادية طويلة الأمد أضعفت أجزاء من البنية التحتية النفطية الإيرانية وأثرت على الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة.
كما أن استعادة الحصص السوقية المفقودة تحتاج إلى وقت وإلى عقود تجارية جديدة مع المشترين الدوليين.
لذلك قد تستغرق طهران أشهرا أو حتى سنوات لاستعادة موقعها السابق في السوق النفطية العالمية.
وتواجه دول الخليج الأخرى بدورها تحديات تقنية ولوجيستية.
فبعض الحقول النفطية أو مرافق التخزين والتصدير قد تكون خفضت إنتاجها خلال فترة الأزمة بسبب تراجع الطلب أو صعوبات النقل.
وإعادة تشغيل هذه المنظومات بكامل طاقتها تتطلب ترتيبات تشغيلية وفنية لا تتم بين ليلة وضحاها.
كما أن شركات النفط الوطنية والدولية تحتاج إلى إعادة جدولة الشحنات والعقود بما يتلاءم مع الظروف الجديدة.
إلى جانب ذلك، يلعب العامل النفسي دورا مهما في الأسواق المالية.
فالأسعار لا تتأثر فقط بالعرض والطلب، بل أيضا بمشاعر المستثمرين ومدى ثقتهم في استقرار الأوضاع.
وإذا بقيت المخاوف قائمة بشأن احتمال تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو ظهور أزمات إقليمية جديدة، فإن الأسواق ستواصل تسعير ما يسمى عند الخبراء بـ" علاوة المخاطر"، وهو ما قد يحافظ على حالة من التقلب وعدم الاستقرار.
ومن العوامل التي قد تؤخر عودة الصادرات إلى طبيعتها كذلك وجود اختناقات في سلاسل الإمداد العالمية.
فقد أدت الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا ثم التوترات في البحر الأحمر والخليج، إلى جعل شبكات النقل والتجارة الدولية أكثر هشاشة.
ولذلك فإن أي اضطراب كبير يحتاج عادة إلى فترة زمنية قبل أن تستعيد الأسواق توازنها الكامل.
وبالتالي، يمثل الاتفاق الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، لكنه لا يشكل حلا سحريا يعيد الأمور فورا إلى ما كانت عليه.
فهناك شبكة معقدة من العوامل الأمنية والاقتصادية واللوجستية والنفسية التي تتحكم في حركة النفط العالمية.
ومن المرجح أن تشهد الأسواق فترة انتقالية تتراوح بين عدة أسابيع وعدة أشهر قبل أن تستعيد تدفقات النفط إيقاعها الطبيعي، بل إن بعض التغيرات التي فرضتها الأزمة قد تصبح دائمة وتؤدي إلى إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية خلال السنوات القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك