لم يعد تنامي التوتر بين روسيا وأوروبا مجرد انعكاس مباشر للحرب في أوكرانيا، بل تحول -مع مرور الوقت- إلى مشهد أوسع يعيد رسم ملامح الأمن الأوروبي، في ظل مواجهة مفتوحة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والتاريخ والاعتبارات العسكرية.
وبينما تتصاعد التحذيرات المتبادلة بين موسكو والعواصم الغربية، تبدو أوروبا وكأنها تقف أمام روسيا بجبهة غير متماسكة تماما، تتخللها تباينات تاريخية ومقاربات سياسية مختلفة تجاه طبيعة التهديد وكيفية التعامل معه.
في هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت ناقلة نفط يُشتبه في انتمائها إلى ما يُعرف بـ" أسطول الظل" الروسي، في خطوة وصفها بأنها جزء من جهود أوروبية متصاعدة لفرض العقوبات على موسكو.
واعتبر ماكرون أن هذه الإجراءات تعكس إصرار الأوروبيين على منع روسيا من الالتفاف على القيود الاقتصادية وتمويل حربها في أوكرانيا.
تباينات في المواقف الأوروبيةهذا التحرك الفرنسي يأتي ضمن سلسلة إجراءات مشابهة نفذتها دول أوروبية أخرى، بينها بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، في إطار إستراتيجية تهدف إلى تضييق الخناق الاقتصادي على روسيا.
وفي السياق نفسه، ركز اجتماع قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا على ثلاثة ملفات رئيسية:مستقبل الدعم المقدم لأوكرانيا في مواجهة روسيا.
تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.
تنسيق المواقف مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة في ظل التحولات الجارية في منظومة الأمن الأوروبي.
غير أن موسكو ترفض هذه الإجراءات وتصفها بأنها غير قانونية، مما يعكس اتساع رقعة التوتر بين الجانبين، ليس فقط على المستوى العسكري في أوكرانيا، بل أيضا في المجالات البحرية والتجارية والطاقة.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز توترات دبلوماسية متصاعدة، من بينها استدعاء روسيا للسفير الروماني في موسكو احتجاجا على قرار بوخارست إغلاق قنصلية روسية لديها، بعد حادثة سقوط طائرة مسيّرة روسية على سطح مبنى سكني، وهي الواقعة التي دفعت رومانيا إلى اتخاذ قرار إغلاق القنصلية.
ويكشف ذلك ملامح انقسام أوروبي أعمق في مقاربة الحرب الروسية الأوكرانية، فبينما تقود دول مثل فرنسا وبولندا مسارا أكثر تشددا تجاه موسكو، تتبنى دول أوروبية أخرى مقاربات أكثر حذرا، مدفوعة باعتبارات اقتصادية أو تاريخية أو داخلية، مما يجعل الموقف الأوروبي" جبهة متعددة الاتجاهات" أكثر من كونه موقفا موحدا.
وتظهر هذه التباينات بوضوح في كيفية التعامل مع ملف أوكرانيا نفسه، حيث انعقد في بولندا مؤتمر دولي حول إعادة إعمار البلاد وسط غياب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية خلافات دبلوماسية مع وارسو.
وشدد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك خلال المؤتمر على أن بناء مستقبل أوكرانيا وأوروبا لا يمكن أن يتم دون" فهم التاريخ والاحترام المتبادل"، كما برزت خلافات مرتبطة بتوصيفات تاريخية لوحدات عسكرية أوكرانية خلال الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى توتر رمزي بين كييف ووارسو.
وكانت بولندا قد سحبت وسام" النسر الأبيض" من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خلفية خلافات تاريخية ورمزية، ثم قام لاحقا بإعادة الوسام في خطوة ذات طابع رمزي هدفت إلى احتواء التوتر.
وفي وقت سابق، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا -قبل أيام- إنشاء قناة تواصل دبلوماسية مع موسكو لتبادل وجهات النظر، في خطوة تأتي وسط مخاوف أوروبية من تحركات دولية قد تدفع نحو مسار تفاوضي لإنهاء الحرب دون مشاركة فاعلة من الجانب الأوروبي.
ورغم تأكيد المسؤولين الأوروبيين على استمرار الدعم المالي والسياسي لكييف، فإن الخلافات بين بعض العواصم الأوروبية وأوكرانيا تعكس تعقيدات إضافية داخل المعسكر الداعم لها.
على الجانب الآخر، تستمر روسيا في توظيف خطاب سياسي يربط بين توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتصاعد التوتر الحالي، إذ حذر الرئيس فلاديمير بوتين مما وصفه باستعداد الغرب لمواجهة عسكرية مع موسكو، في حين يبرر الحلف وحلفاؤه تعزيز الإنفاق الدفاعي بأنه رد على" التهديد الروسي".
وفي موازاة ذلك، يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز قدراته الدفاعية وإعادة صياغة دوره الأمني، عبر زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية، في خطوة تعكس تحولا تدريجيا من الاعتماد الكامل على الحلف الأطلسي إلى بناء قدرة ذاتية أكبر على الردع.
ويعتبر الدبلوماسي الروسي السابق بنيامين بوبوف أن الوقت قد حان لتقوم أوروبا بإعادة النظر في دورها في العالم وتحسين علاقاتها مع روسيا.
وأوضح بوبوف في مقال له في مجلة الشرق الجديد الروسية أن ذلك يعود لما وصفه بانحدار أوروبا بسبب سياسات النخب غير الكفءة، والمشاكل الداخلية، والعوامل الخارجية.
فبالنظر إلى تزايد المشاكل التي تواجه الاتحاد الأوروبي اليوم، يمكن التنبؤ بثقة -وفقا لبوبوف- بأن أزمة القوى الأوروبية الغربية ستكون حادة وكارثية.
ويرى الكاتب أن وتيرة تدهور القوى الكبرى في أوروبا الغربية تتسارع، بسبب السياسات القصيرة النظر وغياب الكفاءة واتساع هوة انعدام الثقة بين الشعوب وحكامها.
وحسب رأيه، فإن الوضع يزداد سوءا كذلك بسبب الخلاف المستمر بين أمريكا وأوروبا الغربية.
وألحقت الحرب ضررا هائلا باقتصاد أوكرانيا التي أصبحت تعوّل على التمويل الخارجي في ظل تزايد تكاليف مواجهة الغزو والضربات الصاروخية الروسية.
ووفق مراقبين، تبدو المواجهة بين روسيا وأوروبا في مرحلة إعادة تشكل، حيث لا تقتصر على جبهة عسكرية في أوكرانيا، بل تمتد إلى فضاءات الاقتصاد والطاقة والسياسة وحتى التاريخ.
وبينما تبدو أوروبا أكثر تصميما على تعزيز قدراتها الدفاعية وفرض مزيد من الضغوط الاقتصادية، تواصل موسكو اختبار تماسك الموقف الأوروبي عبر ملفات الطاقة والعقوبات والدبلوماسية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المواجهة بين الجانبين مرشحة لأن تمتد وقتا أطول، حتى وإن تراجعت حدة المعارك على الأراضي الأوكرانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك