استقالة كير ستارمر من رئاسة الحكومة البريطانية لا تبدو مجرد نهاية سياسية لرئيس وزراء لم يصمد أمام ضغوط حزبه، بل لحظة تكشف أزمة أعمق في بلد يبدّل قادته أسرع مما يبدّل واقعه الاقتصادي.
فبريطانيا التي وعدت نفسها بالاستقرار بعد سنوات بريكست المضطربة، تجد أن انتقال السلطة إلى آندي برنهام أو غيره لا يكفي وحده لإصلاح الاقتصاد البريطاني المُنهك.
جاء رحيل ستارمر بعد أقل من عامين على فوز حزب العمال التاريخي في 2024، بينما ظل النمو هشاً، والاستثمار متردداً والخدمات العامة تحت الضغط والضرائب ثقيلة على السياسة والناس معاً.
هكذا تبدو الأزمة أبعد من اسم الساكن الجديد في داونينغ ستريت: بلد يبحث عن نموذج اقتصادي قادر على أن يترك أثراً حقيقياً في الدخل والسكن والخدمات والفواتير.
يقول أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في كينغز كولدج لندن، جوناثان بورتس، في تعليق خاص لـ" العربي الجديد": " لدى المملكة المتحدة مشكلات اقتصادية هيكلية خطيرة وطويلة الأمد، هي إرث تقشف المحافظين في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي وبريكست ونقص الاستثمارين العام والخاص".
ويضيف بورتس أن هذه المشكلات" تفاقمت في الآونة الأخيرة بفعل أطراف في اليمين واليمين المتطرف تريد تحميل الهجرة مسؤوليتها"، مشيراً إلى أن ستارمر ورث" إرثاً صعباً جداً" زاده تعقيداً انتخاب شخصية في الولايات المتحدة وصفها بعبارات قاسية، قبل أن يضيف أن ستارمر أثبت أنه" غير مناسب بعمق" لمواجهة هذه التحديات، إذ لم يمتلك المهارات السياسية المطلوبة لبناء سردية مقنعة للبلاد ولا المهارات الإدارية اللازمة لتنفيذ التغيير.
بهذا المعنى، لا تبدو استقالة ستارمر حدثاً منفصلاً عن مسار اقتصادي طويل، بل نتيجة لفشل سياسي في تحويل تشخيص الأزمة إلى مشروع قادر على إقناع الناخبين والأسواق معاً.
وعد ستارمر بالاستقرار الذي لم يكفِقدّم ستارمر نفسه بوصفه نقيض سنوات الفوضى التي أعقبت بريكست.
جاء بخطاب هادئ، وبرسالة محورها أن بريطانيا تحتاج إلى حكومة جادة ومستقرة بعد تعاقب سريع على السلطة شمل ديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون وليز تراس وريشي سوناك.
لكن التجربة أظهرت أن الاستقرار السياسي، حين لا يرافقه تحسن اقتصادي ملموس، يتحول سريعاً إلى وعد ناقص.
يشعر البريطانيون بثقل هذه الفجوة يومياً.
فالأجور لا تمنح كثيرين إحساساً حقيقياً بالتقدم، والسكن يضغط على الأسر والخدمات العامة لا تزال مثقلة بآثار التقشف، بينما ترتفع الضرائب في بلد يجد صعوبة في تمويل احتياجاته من دون خنق النمو أو إثارة قلق الأسواق.
لا تقول أرقام النمو الأخيرة إن الاقتصاد البريطاني ينهار، لكنها لا تقول أيضاً إنه تعافى.
فالمأزق الأعمق ليس ركوداً صريحاً، بل عجز مزمن عن تحقيق نمو يكفي لتحسين مستوى المعيشة، وتمويل الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والناس.
بريكست.
الندبة التي لم تلتئمتأتي الأزمة السياسية الجديدة على وقع الذكرى العاشرة لاستفتاء بريكست، في مفارقة يصعب فصلها عن مشهد بريطانيا اليوم.
لم يعد الخروج من الاتحاد الأوروبي خبراً يومياً، لكنه بقي كلفة هادئة ومستمرة في خلفية الاقتصاد؛ كلفة لا تظهر في شعار سياسي كبير، بل في أوراق الجمارك وتأخر الشحن وتردد المستثمرين وصعوبة وصول الشركات الصغيرة إلى سوق كانت ذات يوم امتداداً طبيعياً لها.
لقد وعد بريكست بريطانيا باستعادة السيطرة، لكنه تركها، بعد عقد تقريباً، أمام كلفة اقتصادية تكشف أن استعادة القرار السياسي لم تتحول تلقائياً إلى قوة نمو أو قدرة أوسع على المناورة.
فقد خرجت البلاد من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، وارتفعت الحواجز غير الجمركية أمام التجارة وأصبحت العلاقة مع أكبر شريك تجاري أكثر تعقيداً.
وبحسب كتاب الإحصاءات الأساسية للتجارة والاستثمار الصادر عن الحكومة البريطانية، والمحدّث ببيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني الخاصة بالتجارة حتى إبريل/نيسان 2026، بلغت صادرات السلع البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي 183.
4 مليار جنيه في الاثني عشر شهراً المنتهية في إبريل/نيسان 2026، متراجعة بنسبة 0.
6% عن الفترة السابقة، بينما انخفضت صادرات السلع إلى خارج الاتحاد الأوروبي بنسبة أكبر بلغت 3.
3%.
يمنح هذا التراجع بُعداً رقمياً لما تشعر به قطاعات واسعة من الأعمال.
وبحسب تحليل مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني بشأن أداء افتراضاته التجارية بعد بريكست، يفترض المكتب أن انخفاض كثافة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي سيؤدي إلى خفض الإنتاجية المحتملة للاقتصاد البريطاني بنحو 4% على المدى الطويل، مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه لو بقيت البلاد داخل الاتحاد الأوروبي.
كما يفترض أن تكون أحجام الواردات والصادرات البريطانية أقل بنسبة 15% مقارنة بسيناريو البقاء داخل الاتحاد.
لا يفسر بريكست وحده كل أزمات الاقتصاد البريطاني، لكنه ضيّق هامش الحركة أمام حكومة تواجه أصلاً إنتاجية ضعيفة واستثماراً أقل من الحاجة وكلفة اقتراض مرتفعة وديناً عاماً ثقيلاً.
لذلك يصبح وعد أي زعيم جديد بنمو سريع أو خدمات أفضل أو ضرائب أقل محكوماً بحسابات الخزانة والأسواق قبل أن يصل إلى الناس.
هنا تظهر أزمة النموذج البريطاني بوضوح.
فالبلد الذي أراد أن يتحرر من قيود أوروبا وجد نفسه أمام قيود أخرى: سوق محلية لا تكفي وحدها، وتجارة أعقد مع الجار الأكبر، واقتصاد خدماتي قوي في لندن والجنوب الشرقي لكنه أقل قدرة على نشر الازدهار في المناطق.
هكذا لم يعد بريكست عنواناً لماضٍ سياسي، بل جزءاً من الحاضر الاقتصادي الذي ورثه ستارمر، وسيواجهه أي زعيم يأتي بعده.
استثمار ضعيف وحكومة محدودة الحركةتظهر حدود الحركة أمام الحكومة المقبلة في ملف الاستثمار.
فبريطانيا تحتاج إلى إنفاق طويل الأجل في البنية التحتية والطاقة والنقل والمهارات، غير أن هذا الطموح يصطدم بوضع مالي ضيق.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، بلغ صافي الدين العام 94.
2% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية إبريل/نيسان 2026، عند مستويات لم تعرفها البلاد منذ أوائل ستينيات القرن الماضي.
تزداد هذه المعضلة وضوحاً مع آندي برنهام، الذي يربط خطابه الاقتصادي بالمناطق واللامركزية والخدمات.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز في 24 يونيو/حزيران 2026، أعلن دارين جونز، كبير أمناء الخزانة وحليف ستارمر، دعمه لبرنهام بعد اجتماع ناقشا فيه الخطط الاقتصادية، لا سيما فكرة زيادة الاقتراض لتحفيز النمو، لكنه شدد على أن أي توسع في الاقتراض يجب أن يكون ذا صدقية وقادراً على طمأنة الأسواق والنقابات وحزب العمال.
لا يختبر البريطانيون الأزمة بلغة القواعد المالية، بل عبر الراتب والإيجار والفاتورة والطبيب والمدرسة والقطار.
أما الأسواق فتبحث عن أرقام واضحة ورسائل انضباط، خصوصاً بعد تجربة ليز تراس في 2022، حين عاقبت خطط الإنفاق غير الممولة سريعاً.
لذلك لن يكفي رئيس الوزراء المقبل أن يعد بالنمو، بل سيحتاج إلى إثبات أن وعوده قابلة للتمويل.
ورغم أن الأسواق أظهرت ارتياحاً مع اقتراب حسم الخلافة، وبلغ الجنيه الإسترليني أعلى مستوى له في عشرة أشهر أمام اليورو، بقي القلق قائماً حول هوية وزير المالية المقبل.
فبريطانيا تواجه التزامات متزايدة في الدفاع والبنية التحتية والصحة والرعاية والطاقة، من دون وصفة سهلة لتمويلها جميعاً.
تكتسب الأزمة معناها الأعمق حين تُقرأ من داخل البيوت لا من داخل المقرات الحكومية.
فبحسب توقعات مؤسسة القرار لعام 2026، يهدد بطء نمو الأجور الحقيقية وتجميد عتبات الضرائب وارتفاع ضريبة المجلس المحلي وتكاليف السكن، بدفع دخول الأسر إلى الركود لاحقاً خلال العقد.
لذلك لا يعيش البريطانيون الأزمة كنقاش نظري حول النموذج الاقتصادي، بل كحياة يومية معلقة بين دخل لا يكفي وخدمات لا تتحسن بالسرعة المطلوبة.
هنا تحديداً أخفق ستارمر، كما يشير بورتس، في بناء سردية وطنية مقنعة.
فالمشكلة ليست أن البريطانيين لا يدركون صعوبة الإرث الاقتصادي، بل أنهم لم يسمعوا مشروعاً واضحاً يجعلهم يصدقون أن التضحيات الحالية ستقود إلى تحسن لاحق.
يمنح برنهام حزب العمال فرصة لتغيير النبرة، لكنه لا يمنحه وحده وصفة لتجاوز القيود؛ فالشعبية المحلية لا تكفي للحكم الوطني والحديث عن المناطق لا يحل وحده عقدة الإنتاجية أو فاتورة الخدمات العامة.
البريطانيون تبحث عن قصة اقتصادية جديدةقد تكون استقالة ستارمر بداية انتقال سياسي سريع داخل حزب العمال، بيد أنّها تكشف اقتصادياً عن بلد لم يجد بعد قصته الجديدة بعد بريكست.
لم تعد بريطانيا قادرة على الاكتفاء بوعد الاستقرار، لأن الاستقرار من دون نمو يتحول إلى إدارة هادئة للركود ولا يكفي تغيير رئيس الوزراء حين تكون الأزمة أوسع من الشخص وأعمق من الحزب.
تحتاج الحكومة المقبلة إلى ما هو أكثر من نبرة جديدة.
تحتاج إلى نموذج يقنع الشركات بالاستثمار والأسر بأن العمل يمكن أن يقود إلى حياة أفضل والأسواق بأن الاقتراض لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية ليس هروباً من القرارات الصعبة.
فبريطانيا لا تعاني نقصاً في الوعود، بل نقصاً في طريق واضح يجعل الناس يشعرون بأن التغيير يخرج من الخطب إلى حياتهم اليومية.
من هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لما بعد ستارمر: ليس في صورة الزعيم الذي يدخل داونينغ ستريت، بل في قدرة بريطانيا على الانتقال من اقتصاد ينجو من الأزمات إلى اقتصاد يمنح الناس سبباً لتصديق المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك