تصاعدت في قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة الدعوات إلى إعادة تفعيل تداول النقد الورقي تحت شعار" الكاش بلزمنا"، وسط مطالبات شعبية واقتصادية بعودة التعامل بالكاش في وسيلة للمساهمة بتحريك الأسواق المحلية التي تعاني من حالة ركود متواصلة.
وتأتي هذه الدعوات في وقت يواجه فيه الغزيون تحديات متزايدة في الوصول إلى أموالهم عبر النظام المصرفي، تشمل تجميد بعض الحسابات البنكية أو تعطيلها وصعوبات في فتح حسابات جديدة، فضلاعن ضعف البنية التحتية للاتصالات والإنترنت والانقطاعات المتكررة التي تؤثر على تنفيذ المعاملات المالية الإلكترونية.
وفي المقابل، توجد كميات كبيرة من النقد الورقي لدى الغزيين خارج الدورة الاقتصادية نتيجة تراجع قبول التعامل النقدي في عدد من المعاملات واتساع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني، ما يحد من حجم السيولة المتاحة في الأسواق ويؤثر على القدرة الشرائية للأسر وحركة النشاط التجاري.
أكد أحد القائمين على حملة" الكاش بلزمنا"، الصحافي لؤي رجب أن إعادة تفعيل تداول النقد الورقي داخل القطاع لا تعني التخلي عن وسائل الدفع الإلكتروني وإنما تهدف إلى تحقيق التوازن بين الوسيلتين بما يضمن حق المواطنين في الوصول إلى أموالهم واستخدامها بسهولة.
وقال رجب لـ" العربي الجديد" إن الأزمة الحالية أظهرت الحاجة إلى وجود بدائل متعددة للدفع خاصة في ظل تعطل بعض الحسابات البنكية وصعوبة فتح حسابات جديدة لشرائح من السكان.
وأوضح أن عددا كبيرا من الغزيين يواجهون صعوبات متزايدة في استخدام الخدمات المالية الإلكترونية نتيجة توقف بعض الحسابات أو محدودية الوصول إليها، لافتا إلى أن هناك كميات كبيرة من النقد الورقي بحوزة أسر لا تمتلك حسابات بنكية أو تواجه صعوبات في فتحها.
من جانبه، قال المختص في الشأن الاقتصادي نسيم أبو جامع إن قضية إقصاء النقد الورقي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد خطوة تقنية أو تطويرا طبيعيا لوسائل الدفع، بل ترتبط بأبعاد اقتصادية وسياسية أوسع تتعلق بشكل السيطرة على المجال المالي في قطاع غزة.
وأضاف أبو جامع لـ" العربي الجديد" أن هناك تصورات طرحتها إسرائيل في سياق ترتيبات ما بعد الحرب، تقوم على إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية في غزة بصورة تجعلها أكثر اعتمادا على أنظمة مالية رقمية تخضع لبنى تحتية لا يملك الفلسطينيون السيطرة الكاملة عليها.
وحذر من أن الاعتماد الكامل على وسائل الدفع الإلكتروني دون وجود سيطرة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة التشغيل قد يحول الأدوات المالية الرقمية من وسائل لتسهيل المعاملات إلى أدوات للرقابة والتحكم، مشيرا إلى أن الخطر لا يقتصر على إمكانية تتبع المعاملات وإنما يمتد إلى احتمالات تجميد المحافظ الرقمية أو تقييد استخدامها بقرارات إدارية أو فنية ما قد يضع وصول الأفراد إلى أموالهم تحت رحمة إجراءات خارجية لا يملكون التأثير عليها، ويزيد من مستويات التبعية الاقتصادية في مرحلة شديدة الحساسية.
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل طرحت خلال فترة حرب الإبادة، أفكارا متعددة تستهدف تقليص تداول النقد الورقي داخل القطاع أو إلغاءه بالتوازي مع استمرار القيود المفروضة على إدخال الأموال النقدية، ما أدى إلى تآكل الثقة بقدرة النظام المالي التقليدي على تلبية احتياجات السكان.
بدوره، أكد المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ أن الدعوات إلى إعادة تفعيل تداول الكاش تستند إلى اعتبارات عملية وواقعية فرضتها الظروف الاقتصادية الحالية، موضحا أن شريحة واسعة من المواطنين باتت تواجه مشكلات مباشرة في الوصول إلى أموالها نتيجة توقف أو تجميد بعض الحسابات البنكية، ما جعل النقد الورقي الخيار الوحيد المتاح أمام كثير من الأسر لتلبية احتياجاتها اليومية.
وقال بربخ لـ" العربي الجديد" إن نسبة من المواطنين ما زالت غير قادرة على فتح حسابات مصرفية بسبب مشكلات تتعلق بالهويات الشخصية أو البيانات القديمة أو المتطلبات الإجرائية، الأمر الذي يحرمهم من الاستفادة من الخدمات المالية الإلكترونية.
وأشار إلى أن هذه الفئات تحتفظ بكميات من النقد الورقي خارج النظام المصرفي، لكنها تواجه صعوبات متزايدة في استخدامه نتيجة تراجع قبول الكاش في بعض المحال التجارية والخدمات.
وأوضح أن ضعف خدمات الإنترنت والانقطاعات المتكررة للشبكات يشكلان عقبة إضافية أمام نجاح الاعتماد الكامل على الدفع الإلكتروني، خصوصا في الظروف الطارئة.
كما لفت بربخ إلى أن العديد من الحسابات المتوفرة لدى المواطنين أصبحت خاوية من الأرصدة المالية نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، في حين توجد كميات من النقد الورقي لدى الأسر المتوسطة والهشة غير القادرة على إيداعها أو الاستفادة منها بالشكل المطلوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك