في خطوة مفاجئة تتجاوز حدود الأسواق المالية، أعلنت شركة" ريشيو بتروليوم" الإسرائيلية عن التوصل إلى اتفاق للاستحواذ عبر بورصة لندن، على شركة" فاروس إنرجي" البريطانية المالكة لامتيازات نفطية منتجة في مصر، في صفقة نقدية تبلغ قيمتها 124.
3 مليون جنيه إسترليني (نحو 164 مليون دولار).
تنظر الأسواق العالمية إلى الصفقة باعتبارها استحواذاً مالياً عادياً عبر بورصة لندن، لكن من منظور مصري، عدها خبراء، محاولة إسرائيلية للحصول على موطئ قدم مباشر داخل قطاع إنتاج النفط المصري عبر الاستحواذ على شركة أجنبية تمتلك امتيازات قائمة بالفعل تحقق عوائد مباشرة من بيعها ثروات مصر البترولية، الأمر الذي يجعل قرار السلطات المصرية خلال الأشهر المقبلة حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه المحاولة ستنجح أم ستتوقف عند حدود أسواق المال الدولية.
وبينما تبدو الصفقة المالية للوهلة الأولى عملية استحواذ اعتيادية بين شركتين أجنبيتين مدرجتين في الأسواق الدولية، إلا أن وجود" فاروس" التي تعمل منذ سنوات في مناطق امتياز جغرافية حساسة في الحفر والاستكشاف والإنتاج بالصحراء الغربية وجنوب غرب العاصمة، منح انتقال السيطرة على أصول نفطية مصرية من شركة بريطانية إلى شركة إسرائيلية عبر سوق المال البريطانية، القضية بعداً مختلفاً يتجاوز الحسابات التجارية التقليدية.
قال خبير في الرقابة المالية في شركة محاسبة دولية في القاهرة لـ" العربي الجديد" إن الصفقة، أبرمت بين الطرفين في بورصة لندن، عبر طرق رسمية، تخضع لمعايير دولية، لا غبار عليها من الناحية القانونية، مشيرا إلى أنه بمجرد الإعلان عنها مساء الأربعاء الماضي، اكتسبت الصفقة حساسية إضافية بسبب طبيعة ملكية فاروس.
أشار المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه لدواع وظيفية، إلى أن الشركة ليست مدرجة في البورصة المصرية ولا توجد ضمن كبار مساهميها أي جهات مصرية أو حكومية، إذ تسيطر على أسهمها صناديق استثمار ومؤسسات مالية بريطانية وأوروبية وأميركية، أبرزها المستثمر الأميركي برادلي رادوف وصندوق آبرفورث بارترتنرز البريطاني، إلى جانب مؤسسات مالية عالمية مثل يو بي إس وبلاك روك وجوليوس بيير.
وفقا لبيان الشركة على موقعها الإلكتروني فإن" فاروس إنرجي" استهدفت استغلال تحسن موقفها المالي بعد سداد الحكومة المصرية لكافة المستحقات المالية المتأخرة، الأسبوع الماضي، في تحقيق أعلى عائد من عملية البيع، بما يصب في صالح المساهمين، حيث تمتلك أصولاً منتجة للنفط في مصر وفيتنام، وتعد امتيازاتها في الصحراء الغربية المصرية من أبرز أصولها الاستراتيجية.
تتركز هذه الأصول في امتيازي الفيوم وشمال بني سويف اللذين تنتج منهما الشركة النفط الخام منذ سنوات.
وقد جاء العرض الإسرائيلي في توقيت شهد تحسناً ملحوظاً في قيمة الأصول المصرية التابعة لفاروس، بعد نجاح الحكومة المصرية في سداد كامل مستحقات الشركة المتأخرة لأول مرة منذ استحواذها على تلك الأصول عام 2019.
حصلت الشركة على 12.
6 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، إضافة إلى 20 مليون دولار تلقتها في نهاية عام 2025، بما أدى إلى تصفير جميع المديونيات المستحقة لها لدى الجهات المصرية.
أشار خبير الرقابة المالية إلى استفادة الشركة من تحسن بيئة الاستثمار في قطاع البترول المصري مؤخرا، بعد موافقة الهيئة المصرية العامة للبترول على اتفاقية امتياز موحدة جديدة توفر شروطاً اقتصادية أكثر جاذبية، بالتوازي مع استئناف برنامج الحفر والاستثمار الذي يشمل ست آبار جديدة واستثمارات رأسمالية بنحو 11 مليون دولار خلال العام الجاري، مؤكدا أن هذه التطورات رفعت جاذبية أصول فاروس بالنسبة للمستثمرين، وجعلت الشركة هدفاً مغرياً للاستحواذ، خصوصاً بالنسبة لريشيو بتروليوم التي تعتمد أساساً على أنشطة الاستكشاف ولا تمتلك قاعدة كبيرة من الأصول المنتجة.
صرح مصدر رفيع في وزارة البترول المصرية لـ" العربي الجديد" بأن الصفقة من الناحية القانونية، جرت وفقا لقوانين حاكمة لأسواق المال الدولية، مؤكدا أن نجاح الاستحواذ في بورصة لندن لا يعني انتقال الامتيازات المصرية تلقائياً إلى الشركة الإسرائيلية، مبينا أن صناعة البترول تخضع لاتفاقيات امتياز تمنع نقل السيطرة أو التنازل عن الحقوق لشركة أخرى دون موافقة الدولة المضيفة.
أضاف المصدر أنه ستبقى مصر صاحبة الكلمة الفصل في مستقبل الصفقة، إذ يتعين الحصول على موافقات الهيئة المصرية العامة للبترول ووزارة البترول والثروة المعدنية، وقد تمتد الإجراءات إلى مستويات حكومية أخرى بحسب طبيعة الاتفاقيات المنظمة للامتيازات.
وأكد المسؤول الذي شارك في إبرام عقود مع شركات بترول دولية كبرى بالوزارة، أنه في حال رفضت الجهات المصرية انتقال السيطرة على امتيازي الفيوم وشمال بني سويف إلى الشركة الإسرائيلية، فلن تتمكن ريشيو بتروليوم من الاستحواذ على تلك الأصول حتى إذا حصلت على موافقة مساهمي فاروس والمحاكم والجهات التنظيمية البريطانية، مؤكدا أن خصوصية هذه الحالة تكمن في أن العامل الحاسم ليس القيمة المالية للصفقة، وإنما هوية المشتري موضحا أنه في حين شهد قطاع البترول المصري عشرات عمليات الاستحواذ ونقل الملكية بين شركات أجنبية على مدار السنوات الماضية، فإن هذه الصفقات كانت تخضع أساساً لمعايير فنية واقتصادية تتعلق بقدرة المستثمر الجديد على إدارة الأصول وتمويل الاستثمارات المطلوبة.
وأضاف أنه بالنسبة لهذه الصفقة فإن وجود طرف اسرائيلي بها يضعها في قائمة منفصلة تتعلق بضرورة موافقة أجهزة الأمن القومي على تمريرها، قبل أن تشرع أجهزة الرقابة المالية ووزارة البترول في تمريرها بصفقة نهائية، لتحول الموافقات المصرية المطلوبة إلى العامل الحاسم الذي سيحدد ما إذا كانت الصفقة ستكتمل بالشكل المعلن أم ستواجه عقبات قد تغير مسارها خلال الأشهر المقبلة.
أكد المصدر أنه في حال رفض الجهات المصرية المختصة الموافقة على انتقال حصص فاروس في امتيازي الفيوم وشمال بني سويف إلى المالك الجديد، فلن تتمكن الشركة الإسرائيلية من السيطرة القانونية على تلك الأصول، وقد تضطر الأطراف المشاركة في الصفقة، في هذه الحالة إلى إعادة هيكلة الصفقة أو التفاوض بشأن استبعاد الأصول المصرية أو البحث عن حلول قانونية أخرى، وهو ما قد يؤثر على الجدوى الاقتصادية للصفقة بأكملها.
رأى أستاذ المحاسبة المالية وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أحمد تهامي في حديث مع" العربي الجديد" أن صفقة فاروس إنرجي تعني عمليا انتقال أصول بترولية مصرية منتجة إلى شركة إسرائيلية بما يضيف أبعاداً سياسية وأمنية وسيادية إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية المعتادة، وهو ما يجعل الموافقات المصرية المطلوبة العامل الأكثر حسماً في تحديد مصير الصفقة.
أشار تهامي إلى خطورة الصفقة في جعل الطرف الإسرائيلي متحكما في شركة طاقة تعمل في مناطق داخل البلاد، بما يحق للملاك الجدد الوجود وجلب العمالة التي يرونها قادرة على إنجاز أعمالها، في صناعة ومناطق شديدة الحساسية للأمن القومي المصري، بما يفجر أزمة التناقضات التي تطرحها تلك الصفقات والتي تجري بعيدا عن أعين الدولة وذلك في البورصات الدولية.
وأكد أنه إذا تعارضت المصالح الاقتصادية مع الأمن القومي فهناك معايير يجب أن تراعيها الحكومة عند تمريرها لهذه الصفقات سواء أجريت عبر أسواق التداول في الخارج أو داخل البلاد، حتى لا يتحول الاستثمار الأجنبي إلى بوابة خلفية للإضرار بالمصالح العليا للدولة، أو دخول أطراف غير مرغوب فيها مثل الشركاء الاسرائيليين إلى السوق المصرية التي ما زالت ترفض التعامل مع الكيان الإسرائيلي، رغم وجود معاهدات سلام رسمية مع تل أبيب وشراكات اقتصادية فوقية تلقى معارضة شعبية واسعة من عموم المواطنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك