أشارت دراسة جديدة نُشرت في دورية" بلوس ميديسن"، إلى أن البلدان التي تشهد صراعات مسلحة تميل إلى تسجيل معدلات أعلى من الإصابة بالحصبة، وأن هذا الخطر المتزايد يستمر حتى بعد مرور عام على توقف القتال.
ووفق موقع" ميديكال إكسبرس"، تربط الدراسة بين الصراع المسلح والحصبة بطريقتين: الأولى مباشرة، وتتمثل في تعطيل برامج التحصين؛ والثانية غير مباشرة وذات تأثيرٍ أكبر، وتتمثل في تقويض الركائز الاقتصادية والتعليمية والصحية التي تحمي السكان من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
وتعاني البلدان التي تشهد أعمال عنف من تفشٍ لأمراض معدية يمكن الوقاية منها، وذلك نتيجة عوامل تشمل ضعف النظم الصحية، وتفويت مواعيد التطعيم، ونزوح السكان.
فعلى سبيل المثال، عندما تُجبر الأسر على الفرار من منازلها ويُحرم الأطفال من الحصول على اللقاحات الروتينية، تنشأ بؤر هشة قد تؤدي إلى ظهور موجات تفشٍ جديدة.
ووفق موقع" ميديكال إكسبرس"، تؤكد الباحثة يسيم توزان أن الربط بين بيانات النزاعات وبيانات الصحة العامة يشكل تحديًا كبيرًا يعيق الفهم الدقيق لأثر الصراعات المسلحة على انتشار الأوبئة.
وتشير إلى أن الصدمات الخارجية، سواء كانت صراعاتٍ أو جائحاتٍ، تختبر مرونة الأنظمة الصحية، مما يتطلب من صناع القرار استيعاب كيفية تفاقم عبء الأمراض المعدية في أثناء الأزمات.
أربعة نماذج إحصائية لتحليل البياناتلدراسة هذه المسائل من منظور عالمي، طوّر الباحثون واختبروا أربعة نماذج إحصائية تربط بين النزاعات المسلحة، ونزوح السكان، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبين حالات الإصابة بالحصبة في 193 دولة.
وقد شملت تحليلاتهم للبيانات الطولية على مستوى الدول، الممتدة من عام 2000 إلى عام 2023، مؤشرات تتعلق بالوفيات الناجمة عن المعارك، وحالات النزوح، والناتج الاقتصادي، ومتوسط العمر المتوقع، والتعليم؛ حيث قارنوا هذه العوامل بإجمالي حالات الإصابة بالحصبة ومعدلات الإصابة لكل مليون نسمة.
النزاع المسلح ومرض الحصبةووجد الباحثون أن المستويات المرتفعة من النزاع المسلح، التي قِيسَت بناءً على أعداد الوفيات الناجمة عن المعارك، ارتبطت بزيادة في حالات الإصابة بالحصبة.
ففي المتوسط، سُجِّلت نحو 2500 حالة إصابة إضافية بالحصبة، مقابل كل 3700 حالة وفاة تقريبًا ناجمة عن المعارك في بلد ما خلال عام معين.
كما أظهر الباحثون أن عوامل مباشرة وغير مباشرة تربط بين النزاع المسلح ومرض الحصبة، إلّا أن التدهور الاجتماعي والاقتصادي، وهو عامل غير مباشر، كان المسار الأقوى تأثيرًا؛ إذ ارتبط كل من النزاع المسلح ونزوح السكان بتراجع مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وارتبط هذا التراجع بدوره ارتباطًا وثيقًا بزيادة عبء الإصابة بالحصبة.
وفي بعض النماذج، كان تأثير نزوح السكان يمر بشكل رئيسي عبر هذا المسار الاجتماعي والاقتصادي بدلاً من التأثير المباشر، مما يبرز أهمية الأضرار التي يلحقها النزاع بالاقتصادات وأنظمة التعليم والرعاية الصحية.
الأوبئة لا تنتهي بانحسار القتالوالجدير بالذكر أن هذه العلاقة لم تتلاشَ بمجرد انحسار حدة القتال، مما يدل على أن الرابط بين النزاع والنتائج الصحية هو رابط راسخ ومن المرجح أن يمتد أثره إلى ما بعد فترة العنف الفعلي.
وتشير النتائج إلى أن الحد من مخاطر الأمراض المعدية في البيئات المضطربة يتطلب إستراتيجيةً متعددة الجوانب، تشمل: الحفاظ على استمرارية برامج التطعيم في المناطق المتأثرة بالنزاع، وتوسيع نطاق الوصول إلى النازحين وإشراكهم في برامج التحصين، وتعزيز القدرة الأوسع على الصمود الاجتماعي والاقتصادي بما يكفل حماية الصحة على المدى الطويل.
وفي هذا الصدد، قالت توزان: " قد تفقد المناطق المتأثرة بالنزاع بنيتها التحتية وكوادرها الصحية وثقة السكان.
ومن منظور الصحة العامة، يتعين علينا ضمان استمرار الخدمات الحيوية المنقذة للحياة حتى في ظل استمرار العنف، كما تتطلب مرحلة التعافي استثمارات مستمرة لتمكين تلك الأنظمة من استعادة عافيتها وقدرتها على العمل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك