لم يكن مجرد صندوق خشبي صغير تتوسطه لمبة صفراء خافتة، بل كان ضابط إيقاع الحياة في بيوتنا، في ذلك الزمن الجميل، كانت البيوت تستيقظ على نغمات واحدة، وتغفو على وسائد من سحر خالص.
لم تكن المسألة مجرد بث إذاعي، بل كان راديو زمان هو الجليس الأنيق، والمربي الفاضل، ومهندس الوجدان المصري والعربي.
تبدأ الحكاية مع خيوط الفجر الأولى، حين كان صوت الشيخ محمد رفعت، والمنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ينساب كالشهد ليغسل القلوب قبل العقول، فيرسم للصباح سكينة لا تشبهها سكينة.
ومع أولى رشفات الشاي باللبن، يأتي صوت" أبلة فضيلة" حانياً، دافئاً، ليزرع في نفوس الصغار حكايا وقيمًا عاشت معهم عمراً كاملاً، قبل أن يطل" عم فؤاد" بخفته المعهودة، ليصنع بهجة الصباح ويزيد وعي الطفولة بذكاء وفطرة نقية.
لقد عشنا في زمن كانت البرامج الهادفة فيه تبني إنساناً، والكلمة تُوزن بميزان الذهب، فبين نبرات فؤاد المهندس وهو يوجه رسائله الساخرة والعميقة، وبين ابتهالات النقشبندي التي تصعد بالروح إلى السماء في مغرب الأيام، كان الراديو رفيق الرحلة والوجه الآخر لثقافة أمة.
أما المساء، فكان حكاية أخرى من السلطنة والجمال، حين كان المؤشر يتحرك ببطء ليلتقط صوت" كوكب الشرق" أم كلثوم وهي تشدو بآهاتها، فتجمع خلفها قلوب الملايين في سهرة موحدة، أو ينطلق صوت عبد الحليم حافظ ليداعب مشاعر العشاق بـ" حليم" الكلام وأرق الألحان، كانت البيوت تسهر على الجمال، تتوحد في السمع، وتتذوق الفن كأنه خبزها اليومي.
اليوم، ونحن نعيش في عصر منصات التواصل السريعة والمحتوى الخاطف، يداهمنا الحنين إلى ذلك الزمن الذي كان فيه الصوت يبني وطناً من القيم، وكانت" الحكاوي" الإذاعية تبث الدفء في جدران البيوت.
إننا لا نحاكي الماضي لمجرد البكاء على أطلاله، بل نفتش في مؤشر راديو زمان عن مصلحين وصناع وعي، لعلنا نستعيد بعضاً من ذلك التوازن النفسي والجميل الذي تربينا عليه يوماً ما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك