لم يعد مستقبل الطاقة يُصاغ داخل حقول النفط أو مختبرات التكنولوجيا وحدها، بل بات يتشكل على موائد الحوار الدولي، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الاقتصاد والتنمية والاستدامة.
ومن هذا المنطلق، استضاف مركز فيينا الدولي منتدى «قيادة المرأة في دبلوماسية الطاقة» (WEDL)، في مبادرة سعودية حملت رسالة تتجاوز تمكين المرأة إلى إعادة تعريف طبيعة القيادة داخل المؤسسات الدولية التي ترسم ملامح النظام العالمي للطاقة.
المنتدى، الذي نظمته البعثة الدائمة للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، بالتعاون مع جمعية المرأة والطاقة، جمع مسؤولين دوليين وخبراء، والسفراء المعتمدين لدى الأمم المتحدة من العرب والأجانب، وقادة المنظمات الدولية، وممثلي مؤسسات أممية، وشخصيات سياسية وأكاديمية، في نقاش رفيع المستوى حول كيفية انتقال القيادة من إدارة ملفات الطاقة إلى صناعة التوافقات الدولية التي تحدد مستقبل الأمن الطاقوي والتنمية المستدامة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد السفير الدكتور عبد الله بن خالد طولة، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى جمهورية النمسا، والممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، أن قطاع الطاقة لم يعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبح أحد أهم ركائز الاستقرار والازدهار العالمي، مشددًا على أن الحوار الدولي والتعاون متعدد الأطراف يمثلان الطريق الأكثر فاعلية لضمان أمن الطاقة، وتعزيز الابتكار، وخفض الانبعاثات، مع احترام اختلاف الظروف الوطنية للدول.
وأوضح أن المملكة، في ظل رؤية السعودية 2030، جعلت تمكين المرأة أحد المحركات الأساسية لمسيرة التحول الوطني، الأمر الذي انعكس في وصول الكفاءات النسائية إلى مواقع قيادية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والابتكار وصنع القرار، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على التقنيات أو رؤوس الأموال، وإنما يبدأ ببناء الإنسان وتأهيل القيادات القادرة على إدارة المستقبل.
وشهدت الجلسة مداخلات لقيادات نسائية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، ومؤسسة بان كي مون، والشبكة العالمية للمرأة من أجل التحول في قطاع الطاقة، وجمعية المرأة والطاقة السعودية، تناولت جميعها التحول الذي تشهده المؤسسات الدولية في مفهوم القيادة، وضرورة أن تصبح الكفاءة والتنوع والشراكة عناصر رئيسية في صناعة القرار العالمي.
ومن بين أكثر الكلمات عمقًا، جاءت مداخلة الأميرة نورة بنت تركي آل سعود، التي أعادت تعريف مفهوم القيادة بوصفها مسؤولية تتجاوز العمر أو المنصب، معتبرة أن الطاقة ليست مجرد صناعة أو سوق، بل هي الأساس الذي يحدد قدرة المجتمعات على التنمية والتعليم والاستقرار الاقتصادي.
كما شددت على أن الدبلوماسية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من كل ملف يرتبط بالطاقة والمناخ والعلوم، وأن المرأة تمتلك قدرة استثنائية على بناء الجسور بين التخصصات والثقافات المختلفة، وهو ما يمنحها دورًا متزايد الأهمية داخل المؤسسات الدولية.
وفي مداخلة اتسمت بالبعد الإنساني، تحدثت الأميرة مشاعل بنت سعود الشعلان عن أن العالم لا يواجه فقط أزمة ثقة، بل يعيش أيضًا «أزمة في الخيال»، معتبرة أن بناء المستقبل يبدأ بالحفاظ على الذاكرة التاريخية واستلهام التجارب التي صنعت تقدم المجتمعات.
وأكدت أن ما تحقق للمرأة السعودية لم يكن قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا لمسيرة نساء أسهمن في بناء المجتمع عبر أجيال متعاقبة، مشيرة إلى أن رؤية المملكة 2030 تجاوزت مستهدفاتها في مشاركة المرأة بسوق العمل، فيما يواصل قطاع الطاقة خطواته المتسارعة نحو تحقيق التوازن بين الجنسين.
ومن جانبه، قدم الرئيس النمساوي الأسبق هاينز فيشر قراءة تاريخية لمسيرة المرأة في الحياة العامة، مستعرضًا التحولات التي شهدتها النمسا منذ بدايات القرن العشرين، حين كانت المرأة محرومة من الحقوق السياسية، وصولًا إلى مشاركتها اليوم في أعلى مواقع الدولة، مؤكدًا أن مسيرة المساواة ربما كانت طويلة، لكنها أصبحت مسارًا لا يمكن التراجع عنه.
ولم يقتصر المنتدى على استعراض تجارب النجاح، بل قدم رؤية سياسية أوسع لدور المؤسسات الدولية في إدارة التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الطاقة، حيث برز توافق بين المتحدثين على أن أمن الطاقة، والتحول المناخي، والتنمية الاقتصادية، لم تعد ملفات منفصلة، وإنما منظومة واحدة تتطلب قيادة قادرة على بناء التوافقات الدولية وإدارة المصالح المشتركة بعيدًا عن الانقسامات الجيوسياسية.
وعكس المنتدى أيضًا التحول المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية في بناء حضورها داخل المنظمات الدولية، ليس فقط باعتبارها دولة محورية في أسواق الطاقة، وإنما كشريك فاعل في صياغة الحوار العالمي حول مستقبل الطاقة المستدامة، عبر الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتعزيز دور المرأة، وترسيخ الدبلوماسية متعددة الأطراف بوصفها أحد أهم أدوات صناعة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك