تحتل كلمة ثورة مكانة خاصة في قاموس العلوم السياسية، إذ ترتبط بأحداث شكلت العالم الحديث، كالثورة الإنكليزية في منتصف القرن السابع عشر، والثورة الفرنسية عام 1789، والثورات الأوروبية عام 1848، والثورة الروسية عام 1917، والثورة الصينية التي بدأت عام 1927.
في كل منها، تشير الكلمة إلى تحول مفاجئ، وفوق كل ذلك، تدل على تغيير جذري في النظام، وغالبًا ما ينطوي ذلك على الانتقال من الملكية إلى الجمهورية.
ولكن على الرغم من شيوع استخدام كلمة ثورة بهذا المعنى تحديدًا، لم تكن دائمًا محصورة في هذا السياق الدلالي الأحادي.
فبعد أن كان يشير في الأصل إلى انهيار مدمر، أصبح هذا المصطلح يرمز إلى وعود وفيرة.
ويجسد هذا التحول فرقًا جوهريًّا بين السياسة القديمة والحديثة؛ حيث كانت الدولة وسيلة للحفاظ على الصالح العام في مواجهة خطر الانهيار المدني، إلا أنه بحلول أواخر القرن الثامن عشر أصبحت الثورة تبشر بالكمال في المستقبل المرتبط بالمدينة الفاضلة أو يوتوبيا الأوطان المشتهاة.
إلى جانب التغيير السياسي، باتت الثورة تعني التحول الاقتصادي والاجتماعي، ولعل الثورة الصناعية خير مثال على ذلك.
ولكن في المقابل، جلبت العديد من الثورات السياسية معها تغييرات اجتماعية واقتصادية؛ فقد اقترنت الثورة الدستورية في إنجلترا في القرن السابع عشر بصراع ديني واسع النطاق، كما أن الثورة الروسية لم تقتصر على تغيير شكل الحكومة فحسب، بل غيرت بنية المجتمع وإدارة الاقتصاد؛ فقد سعت الثورة البلشفية إلى تحقيق إعادة بناء اجتماعية واقتصادية شاملة.
ولم تكتمل محاولة بلاشفة روسيا بقيادة حكيمهم لينين قلب الدنيا لمصلحة الفقراء، مع أن لينين وعدهم في مقال خطير منشور في جريدة البرافدا في العدد 251 تاريخ السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1921 تحت عنوان" حول أهمية الذهب": " حين ننتصر في النطاق العالمي، سنصنع من الذهب، كما أعتقد، مراحيض عامة في شوارع بعض أكبر مدن العالم.
وسيكون ذلك أعدل استعمال للذهب وأوضحه دلالة للأجيال التي لم تنس أنه بسبب الذهب ارتكبت أبشع المجازر بحق الإنسان في التاريخ".
توقّع المفكرون الثوريون أن المجتمعات ستتحسن بمرور الوقت بفضل التقدم الأخلاقي والفكري، وأن السلوك سيتجه نحو العدالة، ومن هنا ولدت فكرة الحكومة الثوريةالمفكرون الثوريون على غرار لينين ينظرون إلى الثورة، في الغالب، على أنها عملية إصلاح اجتماعي مستمر، وتوقعوا أن المجتمعات ستتحسن بمرور الوقت بفضل التقدم الأخلاقي والفكري، وكان من المفترض أن السلوك سيتجه نحو العدالة.
ومن هنا ولدت فكرة الحكومة الثورية، حيث أنيطت بها مهمة تسريع الانتقال إلى عالم أفضل، من خلال السعي كي تقترب من حلم البشر في العدل الاجتماعي والسلطة البسيطة الخالية من أجهزة القمع والتي يدير فيها الناس شؤونهم بأنفسهم.
ولكن الثورات الحديثة غالبًا ما تنحرف محركاتها نحو حالة من الهيجان التدميري، وتتبدد آمال التغيير الجذري أمام التكلفة المتزايدة للتغيير.
فهل تصح مقولة جاك ماليه دو بان الشهيرة، المناهض للثورة، التي تقول: " مثل زحل، تلتهم الثورة أبناءها"؟ فالثورات في جوهرها مناقضة للغرض الذي قامت من أجله.
تقول حنة أرندت: " للأسف، لقد حفظت الحرية بشكل أفضل في البلدان التي لم تشهد ثورة قط".
ويفهم من ذلك أن الثورة ليست سوى منعطف خطير.
وأحيانًا تحقق الثورات نتائج أقل جودة، فمع أن الثورة البلشفية لم تتطور إلى اشتراكية حقيقية، إلا أنها ساهمت في تصنيع روسيا الزراعية.
وبالمثل، على المدى الطويل، انتشلت الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ ملايين الأشخاص من براثن الفقر، معتمدة على اشتراكية ذات خصائص صينية.
صحيح أن الحكومة مركزية تشرف على اقتصاد السوق بعيدة كل البعد عن مشروع ماو تسي تونغ الأصلي، لكن من الصعب أيضًا القول إن على الصين أن تغير مسارها؛ فخطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء تعتبر في نظر التاريخ تقدمًا.
وقد لا تكون الحياة الجديدة الناتجة من الثورات أفضل من سابقتها القديمة، بل قد تكون حياة الناس ومؤسسات الدولة في عطالة لا يحسدون عليها، وهذا مفهوم؛ لأن الصيرورة التاريخية تفيد بصعوبة التنبؤ بنتائج الثورات العارمة.
يقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صديق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا في عدد خاص من مجلة لوبوان الفرنسية ترجمه لي صديقي المترجم السوري غسان غنوم: " أحد مفارقات الثورات أنها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منظومة مكابح ثقيلة.
هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضًا للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحيانًا كثيرة إلى كوابيس".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك