" في المسرح، تُمحى السبورة دائماً.
ودائماً ممكن أن نبدأ من جديد" كتب المخرج البريطاني بيتر بروك هذه العبارة ذات يوم، لكن عقداً ونيف من الغياب مساحة من الزمن لم تكن كافية لمحو شيء من ذاكرة المخرج السوري ماهر صليبي، ليبدأ من جديد حيث توقف.
بمجرد أن وطأت قدماه خشبة مسرح الحمراء في دمشق، قفزت إلى ذهنه مسرحية" صمت الكلام" التي قدّمها على المسرح نفسه عام 1999، المكان بقي حاضراً بتفاصيله، كما بقيت سنوات المنفى الطويلة حاضرة هي الأخرى بكل ما حملته من خسارات وأسئلة مؤجلة.
في حديثه لموقع تلفزيون سوريا قبل انطلاق بروفا عمله المسرحي الجديد" بروفة يوم الحساب"، لم يتوقف صليبي عند العرض الجديد فحسب، بل فتح دفاتر سنوات الغياب، وتحدث عن الخروج القسري من سوريا، وعن لحظة فقدان الأمل بالرجوع، وعن نص مسرحي اختار أن يضع وجع السوريات في قلب أول أعماله على خشبة دمشق بعد التحرير.
أربعة عشر عاماً لم تمحُ شيئاًجلسنا على مقاعد الجمهور بمواجهة خشبة مسرح الحمراء في دمشق، حيث بدا المخرج ماهر صليبي هادئاً بملامحه، وعيناه كمرآة تمرّ عبرها شخصيات كثيرة عرفها به الجمهور على الشاشة الصغيرة وأمام خشبة المسرح، كأنها تتسلل الآن على شكل ذكريات متراكمة من مسلسل خان الحرير الذي وقف خلاله أمام كاميرا المخرج القدير هيثم حقي إلى مسلسل العرّاب مع الراحل حاتم علي.
سؤالنا عن الغياب والعودة لم يكن بالنسبة إليه مجرد استعادة لتفاصيل رحلة زمنية، بل بوابة لفتح مسار كامل من التحولات التي بدأت مع لحظة الخروج القسري من دمشق، حين طالت التهديدات حياته وحياة عائلته في بدايات الثورة السورية، فكان القرار كما يصفه ضرورة فرضتها الظروف لا خياراً شخصياً.
استجمع صليبي ذاكرته وبدأ حديثه لموقع تلفزيون سوريا من ذلك السؤال، لكنه لم يتعامل مع اللحظة بوصفها ثنائية بسيطة بين الخروج والرجوع، بل كمسار طويل من الانقطاع القسري، فتلك المرحلة بدأت مع تهديدات مباشرة أجبرته على مغادرة البلاد بحثاً عن مساحة أمان خارج سوريا.
وقال صليبي: " اضطررنا إلى مغادرة سوريا غصباً عنا، ولم يكن القرار بأيدينا على الإطلاق"، موضحاً أن تلك اللحظة شكّلت بداية سنوات ثقيلة امتدت على مدار أربعة عشر عاماً بين الإمارات وكندا، حملت في طياتها تحولات قاسية وخسارات متتالية، وصولاً إلى مرحلة فقدان الأمل بالعودة بعد أن اضطر إلى بيع منزله وعدد من ممتلكاته لمواجهة أعباء المعيشة.
وحين سألناه عن أول مشهد استعادته ذاكرته لحظة دخوله مجدداً إلى مسرح الحمراء في دمشق، قبل انطلاق بروفات مسرحية" بروفة يوم الحساب"، لم يتردد في الانتقال مباشرة إلى الذاكرة الأولى التي باغتته عند العتبة الأولى للخشبة، كأن المكان أعاد ترتيب الزمن في لحظة واحدة، فيجيب دون تردد مستعيداً عرض" صمت الكلام" الذي قدّمه عام 1999 على هذه الخشبة، بوصفه أول تجربة إخراجية له في المسرح القومي، وكأن الحمراء بمقاعده الخمرية ذاكرة كاملة انفتحت دفعة واحدة أمامه رغم كل ما تراكم بين يوم المغادرة ولحظة العودة.
قلق العرض الأول بعد الغيابانتقلنا في مسار الحديث مع المخرج ماهر صليبي إلى مساحة أكثر تعقيداً تتعلق بتجربته الفنية الممتدة بين الإخراج والتمثيل، وبما يراه فارقاً بين الحضور كممثل أمام الكاميرا أو على الخشبة، وموقعه كمخرج يقود العمل من خلف التفاصيل.
يتوقف عند هذا السؤال ويشرح لموقع تلفزيون سوريا أن السنوات الأخيرة، ولا سيما فترة الغياب الطويلة عن سوريا، شهدت قطيعة شبه كاملة مع التمثيل، إذ لم يسجّل حضوره سوى بتجارب منتقاة بعناية في التمثيل خارج سوريا، بينما ظلّ الإخراج المسرحي بالنسبة إليه مساحة أقرب إلى التعبير الشخصي وأكثر قدرة على حمل ما يريد قوله.
وقال صليبي: " عندما أقدّم عملاً له علاقة بالإخراج المسرحي أشعر أن لدي شيئاً أريد قوله، ورسالة أريد إيصالها، وأشعر أنني أكون أقرب إلى نفسي في هذا المكان"، موضحاً أنه لا يرى فاصلاً حاداً بين التمثيل والإخراج بقدر ما يرى اختلافاً في طبيعة الحضور وإمكانية التأثير، معتبراً أن الإخراج يمنحه مساحة أوسع للتعبير والتواصل مع الفكرة.
ومع انطلاق التحضيرات لمسرحية" بروفة يوم الحساب" والتي ستعرض بدايةً في مسرح الحمراء ابتداء من ٢٦ لغاية ٣٠ حزيران لتنتقل لاحقاً إلى حلب وإلى بقية المحافظات السورية، وما رافقها من بروفات طويلة جمعت فريقاً من أجيال مختلفة، بين الفنانين يارا صبري، جابر جوخدار وروبين عيسى، تحدث صليبي عن حالة القلق التي ترافقه في كل تجربة مسرحية جديدة، حيث تتحول البروفا بالنسبة إليه إلى مساحة بحث دائمة عن إضافة جديدة لا تكرر ما سبق، وأضاف أن هذا القلق لا يتوقف عند حدود العمل فقط، بل يمتد أحياناً إلى تفاصيل حياته اليومية، لكنه قلق يصفه بأنه ضروري، لأنه مرتبط بالرغبة في تقديم عمل يحمل معنى حقيقياً ويصل إلى المتلقي بصدق وتجربة حية.
قبل الدخول في التفاصيل، بدا واضحاً أن اختيار مسرحية" بروفة يوم الحساب" لم يكن قراراً عابراً في مسار ماهر صليبي، بل نتيجة تقاطع بين لحظة شخصية ومرحلة فنية يرى أنها تحتاج إلى نصوص من هذا النوع، العمل الذي قدّمه الكاتب فارس الذهبي للمخرج صليبي يقترب من أسئلة الوجع السوري، ويضع معاناة النساء في قلب الحكاية، بوصفها مساحة مواجهة مع ذاكرة ممتدة من الألم والعنف والأسئلة المؤجلة.
يصف صليبي لموقع تلفزيون سوريا أن النص لم يأتِ نتيجة بحث مباشر منه، بل طُرح عليه في توقيت وصفه بالمهم، فقرأه ووجد فيه ما يستحق الاشتباك معه فنياً وإنسانياً، قائلاً إن تجاهل هذا النوع من النصوص في هذه المرحلة يعني تجاهل جزء أساسي من الواقع الذي عاشه السوريون.
وفي حديثه عن فريق العمل، توقف عند اجتماع أجيال مختلفة على الخشبة، معتبراً أن هذا التنوع لم يكن تفصيلاً شكلياً بل جزءاً من روح العرض نفسه، إذ قام اختياره للممثلين على قراءته الدقيقة للشخصيات وملامحها، وما يمكن أن يضيفه كل ممثل إلى البناء العام للمسرحية.
أما عن وجود يارا صبري في العمل، وهي شريكة حياته في الحياة اليومية، فيرى صليبي أن حضورها داخل المشروع لا يُلغي المسافة المهنية بين المخرج والممثلة، بل يفرض نوعاً مختلفاً من الانضباط داخل البروفات، حيث يتقدم العمل المسرحي على أي علاقة أخرى، ويصبح النقاش محصوراً داخل حدود الخشبة وما تتطلبه من اشتغال دقيق ومتواصل.
في ختام الحديث، بدا أن أسئلة المسرح عند ماهر صليبي لا تنفصل عن أسئلة الحياة نفسها، خصوصاً بعد سنوات الغياب الطويلة وما حملته من تحولات شخصية ومهنية، ومع عودته إلى الفن في دمشق عبر المسرح، يظل سؤال الاستقرار مطروحاً بقدر ما يظل سؤال الاستقراء الفني حاضراً، بين ما إذا كانت هذه العودة تمثل بداية إقامة دائمة في سوريا أو أنها مرحلة جديدة لقراءة المشهد الفني من الداخل بعد سنوات من البعد.
قال صليبي لموقع تلفزيون سوريا: " أتمنى أن أعود للاستقرار في سوريا"، موضحاً أن الفكرة ما زالت قائمة لديه، لكن ارتباطات سنوات الغربة الطويلة ما تزال تحتاج إلى وقت لإنهائها قبل اتخاذ قرار نهائي بالعودة الكاملة، ما يجعل مسألة الاستقرار مؤجلة إلى حين اكتمال هذه الالتزامات.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو المسرح بالنسبة إليه مجرد محطة عودة، بل مساحة لإعادة قراءة الواقع الفني السوري بعد التحولات الأخيرة، حيث يرى أن الدراما التلفزيونية ما تزال حاضرة في حساباته، مع وجود حديث عن أعمال فنية قادمة داخل سوريا في المرحلة المقبلة، بما يعكس استمرار حضوره بين المسرح والشاشة رغم سنوات الانقطاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك