ماذا لو لم تكن أخطر أزمة يعيشها الإنسان المعاصر أنه لا يعرف، بل إنه لم يعد يثق في المعرفة نفسها؟ ! وماذا لو كان السؤال، الذي خُلق ليقود إلى البصيرة، قد تحول عند بعض الناس إلى باب دائم للقلق، يدخلون منه كل يوم ولا يصلون أبداً إلى الطمأنينة؟ !بعد وقفتنا الاستثنائية مع الهجرة النبوية، بوصفها مدرسة للانتقال من الهشاشة إلى الأنس، ومن الخوف إلى اليقين، نعود إلى سياق هذه السلسلة التي تحاول قراءة الإنسان المعاصر بعد مرحلة «النهايات الخمس»، لا بوصفها تحولات فكرية مجردة، وإنما باعتبارها تحولات تمس بنية النفس، وتعيد تشكيل صورة التدين، وإذا كانت الفردانية قد جعلت الأنا مركز العالم، والمزاجية قد جعلت الشعور اللحظي سلطاناً على القرار، فإن التشكك يجعل الإنسان عاجزاً عن الاطمئنان إلى المعنى ذاته.
ولعل أول ما ينبغي تقريره أن التشكك ليس هو السؤال، كما أنه ليس هو التفكير النقدي، فالسؤال المشروع هو الذي يريد أن يفهم، ويتواضع للعلم، ويتحرك نحو البيان، ولذلك كان القرآن الكريم مليئاً بدعوات النظر والتفكر والتدبر، والتفكير النقدي هو القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف، وعدم الانخداع بالمظاهر أو الخطابات.
أما التشكك المرضي فهو شيء آخر.
إنه الحالة التي يفقد فيها الإنسان ثقته في إمكان الوصول إلى الحقيقة، فيتحول السؤال من جسر يعبر به إلى المعرفة، إلى جدار يحبسه داخل القلق؛ هنا لا يعود الإنسان يسأل لأنه يريد أن يتعلم، وإنما لأنه لم يعد يصدق أن هناك جواباً يمكن الوثوق به؛ يشك في اللغة لأنها أصبحت قابلة للتلاعب، ويشك في التراث لأنه انقطع عن جذوره، ويشك في الدين لأنه رآه أحياناً في صور مشوهة بين تشدد يرهق الأرواح وسيولة تفرغ المعاني، ويشك في الأسرة لأنها لم تعد دائماً الملاذ الأول للأمان، ويشك في الدولة ومؤسساتها لأن خطاب التفكيك زرع داخله الارتياب من كل معنى جامع؛ وهكذا لا يصبح الشك مرحلة عابرة في طريق المعرفة، بل بيتاً يسكنه الإنسان، حتى يتشكل وعيه كله من داخله.
وهذا التشكك لم ينشأ من فراغ، بل هو أحد الآثار المركبة للنهايات الخمس التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة؛ فحين انتهت اللغة إلى حالة من السيولة، لم تعد الكلمات تؤدي معناها بوضوح؛ فإذا قيل: رحمة، تساءل الناس: أهي رحمة أم ضعف؟ وإذا قيل: تجديد، سألوا: أهو تطوير أم هدم؟ وحين انقطع الإنسان عن تراثه، فقد القدرة على التمييز بين الأصيل والدخيل، فأصبح يتأرجح بين تقديس جامد ورفض شامل، وحين تشوهت صور التدين، اختلط عند كثيرين صفاء الدين باضطراب بعض المتدينين، فضاع الفارق بين الوحي وفهم البشر له، وحين ضعفت الأسرة في أداء دورها الحاضن، نشأت نفوس أقل قدرة على الثقة وأكثر استعداداً للارتياب، ثم جاءت موجات التشكيك في كل مؤسسة وكل رمز وكل مرجعية، حتى أصبح الإنسان يشعر بأن الشك هو الموقف الأكثر أماناً.
ومن هنا فإن التشكك ليس أزمة عقلية فحسب، بل هو أزمة وجدانية أيضاً، إنه ينتج إنساناً كثير السؤال، قليل السكينة؛ يطلب الدليل، لكنه لا يثق في الدليل، ويسمع الإجابة ثم يشك في نية صاحبها، ويتعب من كثرة الاحتمالات، ويخاف من الالتزام بأي معنى، ويتردد قبل القرار ثم يندم بعده، ويخلط بين الحذر والحيرة، ويرى الطمأنينة سذاجة، والثقة ضعفاً، ويعيش في حالة دفاع مستمر؛ والخطر الأكبر أنه قد يعجز عن التسليم لله، لا لأنه لا يؤمن بالله، ولكن لأنه لم يتعلم كيف يطمئن قلبه.
ومن هنا يتشكل نمط جديد من التدين يمكن أن نسميه «التدين القلق»، تدين يفتقد السكينة، يعيش صاحبه في أسئلة لا تنتهي: هل أنا على الطريق الصحيح؟ هل كل ما تعلمته صحيح؟ هل كل من أثق به قد يكون مخطئاً؟ والأهم أنه لا يسير نحو الإجابة بل يجعل من السؤال دائرة لا تنتهي من الشك!ثم يظهر التدين المتردد، الذي ينتقل صاحبه من خطاب إلى خطاب، ومن شيخ إلى شيخ، ومن منصة إلى أخرى، دون أن يبني منهجاً راسخاً.
ويظهر التدين الدفاعي الذي يحول الدين إلى ساحة جدل دائم، فينشغل بالردود أكثر من البناء، وبنقض الآخرين أكثر من إصلاح النفس.
وقد ينتهي الأمر إلى تدين قابل للاختطاف، إذ يصبح صاحبه فريسة لخطابات حادة تمنحه يقيناً زائفاً، أو لخطابات سائلة تمنحه راحة زائفة من التكليف؛ وربما انسحب بعضهم من المجال الديني كله، لا رفضاً لله، وإنما لأنهم لم يجدوا من يأخذ بأيديهم من السؤال إلى السكينة، ومن هنا يمكن القول إن التشكك لا يقتل التدين دائماً، لكنه قد يحوله إلى تدين قلق؛ كثير الحركة، قليل السكينة، كثير الجدل، قليل الثمرة.
ولذلك جاء المنهج القرآني مختلفاً؛ فهو لا يخوفك من السؤال، بل يربي منهجاً لبناء هذا السؤال؛ فسيدنا إبراهيم عليه السلام قال: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فلم يكن طلبه اعتراضاً، وإنما هو طلب لزيادة اليقين، وأمرنا الله -سبحانه وتعالى- بالسؤال الرشيد لأهل العلم في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وجعل غاية الذكر أن ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فاليقين في الإسلام ليس إلغاءً للعقل، وإنما ثمرة عقل يبحث، وقلب يذكر، وصحبة صالحة، ومنهج مستقيم؛ ولهذا كان بناء الإنسان يبدأ من الاستعداد الصادق لتلقي النور، ثم التمييز، ثم الفهم، ثم البصيرة، حتى يصل إلى الوعي الذي يطمئن إليه القلب، فلا ينفصل العلم عن السكينة، ولا المعرفة عن الهداية.
أما التدين المصري، فقد امتاز تاريخياً بثقة وجدانية متوازنة؛ ثقة في العالم المربي، وفي المجلس، وفي المؤسسة، وفي الأسانيد الممتدة، دون أن يعني ذلك تعطيل العقل أو مصادرة السؤال.
وكانت هذه البيئة تمنح الإنسان قدرة على الاطمئنان؛ لأنه يسأل داخل مجتمع معرفي حي، لا داخل فراغ رقمي مضطرب.
لكن التحولات الحديثة أضعفت هذه البيئة؛ فظهرت علامات التشكك في ضعف الثقة بالعلماء، والتشويش بين التشدد والتساهل، والتنقل بين المصادر الرقمية بلا منهج، والخلط بين النقد والهدم، حتى تحول السؤال عند بعض الناس من طلب للفهم إلى حالة قلق مزمنة.
وليس المطلوب أن نعود إلى ثقة عمياء، كما ليس المطلوب أن نقدس كل مرجعية دون نظر، وإنما أن نبني ثقة واعية؛ ثقة ترى، وتسأل، وتفكر، لكنها تعرف أيضاً أين تضع أسئلتها، ومن تسأل، وكيف تميز بين الخلاف العلمي والفوضى المعرفية؛ فالمجتمع يحتاج اليوم إلى استعادة المرجعية الرحيمة؛ المرجعية التي تستمع قبل أن تجيب، وتفهم الإنسان قبل أن تحكم عليه، وتأخذ بيده من الحيرة إلى البصيرة.
ولهذا فإن علاج التشكك لا يكون بقمع الأسئلة، بل ببناء منهج للسؤال، منهج يبدأ بالتفريق بين السؤال والوسواس؛ فالسؤال يطلب البيان، أما الوسواس فيطلب قلقاً جديداً بعد كل جواب، ويستمر ببناء معيار صحيح للتلقي، فلا يؤخذ الدين من المقاطع المبتورة، وإنما من علم مرتب، ومرجعية موثوقة، وصحبة حية، ثم بربط المعرفة بالذكر، حتى لا يتحول العقل إلى آلة تحليل بلا سكينة؛ كما أن العلاج ليس بالهروب إلى يقين زائف يصنعه التشدد، ولا إلى سيولة تفرغ الدين من معناه، وإنما إلى يقين رحيم متدرج، يجمع بين العلم والرحمة، والعقل والتسليم، والسؤال والأدب، ثم يحول السؤال إلى سير في طريق التعلم والعمل والتزكية، لا إلى دوران لا ينتهي، فبناء الإنسان لا يكون بإزاحة الشك بالقهر، وإنما بإحلال اليقين والثقة والمنهج والرحمة مكانه، حتى تستعيد النفس اتزانها، ويستعيد التدين ثماره الحضارية.
إن الدين لا يريد من الإنسان أن يغلق عقله حتى يطمئن، ولا أن يفتح قلبه بلا نهاية حتى يضيع، وإنما يريد له عقلاً يسأل بأدب، وقلباً يذكر بصدق، وروحاً تسير إلى الله بثقة؛ فالسؤال إذا كان باباً إلى النور فهو من اليقظة، أما إذا صار دوراناً لا ينتهي فهو من التيه؛ وبين السؤال والتيه يولد الفرق بين تدين يبني الإنسان، وتدين يرهقه.
وإذا كان التشكك يجعل الإنسان عاجزاً عن الاطمئنان إلى المعنى، فإن الإحباط يجعله عاجزاً عن توقع الخير من المستقبل؛ ومن هنا ننتقل في المقال القادم إلى سمة أخرى من سمات الإنسان المعاصر: حين يفقد الإنسان أفق الرجاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك