قبل أن يتمّم ديوان «أنين الصواري» عامه الـ60 بقليل، يرحل صاحبه الشاعر علي عبدالله خليفة، تاركًا خلفه واحدًا من أكثر الدواوين التصاقًا بالذاكرة البحرينية والخليجية؛ ذلك الديوان الذي صدر في طبعته الأولى عن «دار العلم للملايين» في بيروت عام 1969، وكان صاحبه آنذاك في الـ25 من عمره، بيد أن قصائده كشفت، منذ تلك الباكورة، عن وعي ثقافي وسياسي وإنساني؛ وعي شابٍ نشأ بين أزقة المحرق، وتفتح على زمن عربي مشحون بالتحوّلات، من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وصعود خطاب الوحدة العربية، إلى القضية الفلسطينية، وحركات التحرر من التسلط البريطاني.
كان المشهد الشبابي في البحرين، خلال ستينيات القرن العشرين، شديد التسييس قياسًا بالمحيط الخليجي آنذاك، إذ تحوّلت المدارس، والأندية الثقافية، والمقاهي، والمجالس، والنقابات العمّالية الناشئة، إلى فضاءاتٍ لتداول الأفكار القومية واليسارية والوطنية.
وفي خضم تلك اللحظة، صدر «أنين الصواري» الذي صمم أغلفة طبعاته الفنانان عبدالله المحرقي وعبدالله يوسف، محملًا بهموم الإنسان البحريني، وأسئلة الأمة، وأوجاع المحرومين في العالم؛ من فلسطين إلى فيتنام!أهدى الراحل مجموعته إلى أبيه «والكادحين من شعبي»، فاتحًا باب الديوان على عالم شعري منحاز للإنسان الفقير، والغوّاص، والبحّار.
وإلى ذلك الوجع المختبئ خلف بريق اللؤلؤ، فمن قصيدة «الجرح الكبير» التي تتصدر الديوان، وصولًا إلى القصيدة الخاتمة «زهرة في القلب»، يمضي علي عبدالله خليفة في استحضار آلام البحّارة والغوّاصين، رابطًا بين قسوة الماضي وأسئلة الحاضر آنذاك، ليصوغ خطابًا شعريًا مشبعًا بالألم، والاغتراب، والحنين، والهم الإنساني والوطني.
تقف الناقدة العراقية الدكتورة وجدان الصائغ عند هذه الباكورة، معتبرةً أن الشاعر استكمل فيها، رغم كونها نقطة انطلاقه الأولى، أدواته الفنية والإبداعية، وصاغ «ملحمة إنسانية بانورامية للإنسان البحريني»، عكست ملامح الاستلاب تحت طاحونة الفقر والإقطاع البحري.
وتضيف الصائغ أن المتخيل الشعري المولع بالبحر طوع الإيقاع الداخلي والخارجي لخدمة الأفق القصصي، موثقًا الأبعاد الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة المهمة في تاريخ البحرين، ومضيئًا وعي الشاعر المبكر بالتراث الشعبي، حتى غدت المجموعة، بتعريفاتها للمفردات التراثية، «معجمًا فولكلوريًا مبكرًا» لمفردات الغوص وتفاصيل حياة البحارة ومحنة الإنسان البحريني قبل اكتشاف النفط.
ويرى الناقد أحمد المناعي، في قراءة مبكرة أعقبت صدور الديوان، أن عنوان «أنين الصواري» كشف عن بداية الإدراكات الواعية في الشعر، حين اتجه علي عبدالله خليفة لإسقاط قضية البحّار، التي كانت تمثل قضية الغالبية في الخليج، على واقع الإنسان المعاصر، محوّلًا أبعادها إلى مادة شعرية.
ولهذا، عدّ المناعي علي عبدالله خليفة واحدًا من ثلاثة أسسوا للشعر الجديد في البحرين، إلى جانب قاسم حداد وعلوي الهاشمي، مع سبق زمني قصير لخليفة.
ويذهب الشاعر علي الشرقاوي إلى أن «أنين الصواري» كان أول من طرح قضية الإقطاع البحري في الاقتصاد الخليجي، موازيًا للإقطاع الزراعي، ومنبهًا القارئ العربي لصور الاستغلال البشري التي كانت تختبئ خلف شهرة البحرين باللؤلؤ الطبيعي قبل اكتشاف النفط.
أما الناقد الدكتور فهد حسين، فيؤكد أن «أنين الصواري» كتب للوقوف على مرحلةٍ اتسمت بالعتب والألم، وكشف علاقة الإنسان بالماضي الذي بُني عليه الحاضر.
ويصف حسين البحر في تجربة علي عبدالله خليفة بأنه المكان العنيد الجبار؛ الكريم الذي يبسط مائدته، والمراوغ في عواطفه ووجدانه، حيث يبرز الشاعر كرمه وسخاءه في بحث الغوّاصين عن اللؤلؤ، كما يكشف غدره وخيانته، في علاقة شعرية تستند إلى وجدان الإنسان الخليجي وحياته الاجتماعية والاقتصادية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك