تتفق الأغلبية الساحقة من العراقيين في وصفها للوضع في البلاد، على أن نخبة المكونات الرئيسية الثلاثة الحاكمة، لم تنجح في إعادة بناء العراق اجتماعيا واقتصاديا، ناهيك من فشلها الواضح في تطبيق التزاماتها الأمنية، رغم حجم القدرة الاقتصادية التي يتمتع بها هذا البلد المهم، باعتباره أحد أكبر مصدري النفط في العالم.
ونتيجة لهذه الإشكالية، يرى كل من له بصيرة وطنية، وحريص على مستقبل هذا البلد ومكانته بين دول العالم، أن الأموال المختلسة التي يتم كشفها بين حين وآخر تُمثل جريمة بحق العراق، ناهيك من خطورة هذه الآفة السياسية على المجتمع بأسره، أو على شريحة منه، بالإضافة إلى حجم الأضرار الاجتماعية والاقتصادية التي ترسمها النخبة الفاسدة لصورة البلد وسمعته، وطريقة تعامل مؤسساته الحكومية مع مصالح دول ومراكز الاقتصاد العالمي.
وابتداءً من فضيحة «سرقة القرن» التي هزت الأوساط الشعبية، والتي اعتبرها العراقيون واحدة من أكبر فضائح الفساد المالي في تاريخ العراق الحديث، حيث تمت سرقة ما يقارب 2.
5 مليار دولار من أموال الضرائب العامة المودعة في مصرف الرافدين الحكومي.
والتي كان من المفترض أن تستخدم لخدمة المواطن، من قبل شبكة فساد ضمت رجال أعمال ومسؤولين حكوميين من الشيعة، تتكرر ويستمر التلاعب بالمال العام وتنكشف الأمور من جديد عن سرقة لا تنقص أهميتها وحجم قيمتها المذهلة عن سابقتها، من قبل شبكة فساد ضمت رجال أعمال ومسؤولين حكوميين من السنة بعد تورطهم بسرقة أموال تتجاوز قيمتها 381 مليون دولار.
ناهيك من عمليات سرقة الملايين المنظمة من البنك المركزي التي اتُهم بمسؤوليتها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وزعيمه بافل طالباني.
ومنذ غزو بلاد الرافدين، سعت أحزاب المكونات، التي جاء بها الاحتلال الأمريكي والإيراني، العمل على ضمان ديمومة بقاء توازنها بالسلطة، وسرقة نسبة كبيرة من موارد العراقيين، التي وظفها الاقتصاد العراقي لدفع التطور الاجتماعي والعيش الكريم، الذي كان من المفروض جعله في الأولوية في برامج الحكومات المتعاقبة، ضاربين عرض الحائط، حالة التخلف الاجتماعي والبيئي، الناتج من فشل الدولة المتعلق بتقديم الخدمات والأمن، وإعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها الاقتصادية والأمنية، الذي جاءت به العملية السياسية الطائفية، التي تم تركيبها على مقاس ثقافة نخبة المكونات وأحزابها الفاسدة، وجعلها المؤشر الجديد الذي يراه العالم في حكم العراق المغلوب على أمره.
صورة مؤلمة لواقع العراق السياسي التائه في صراع حليفيه، أمريكا وإيران، في دولة فاشلة تدار من طبقة سياسية منقسمة في الإيمان والطائفة، ومتراضية في تقاسم الفساد وسرقة ثروات العراقيينيبقى السؤال عمن له القدرة على إصلاح النظام السياسي العراقي؟ وهل إن دولة المكونات بفساد نخبتها قادرة على بناء الدولة العراقية وفقا لمصالح شعبها، في ظل غياب وانعدام الوعي الرسمي الوطني القائم في مفهومه المعاصر، واحترام ثروات العراقيين ونزاهة مؤسسات الدولة، التي بدونهما سيبقى العراق على لائحة البلدان الفاشلة في العالم.
يبدو أن سؤالا من هذا القبيل لا صعوبة للإجابة عليه، نتيجة لوضوح الأمور والأسباب التي لا تقبل النقاش أو المجادلة، فالجميع على علم بأن النظام السياسي العراقي الذي تديره أحزاب المكونات، لا يتحكم به أبناؤه.
وأن إيران المصرة على استمرار نفوذها الطائفي وإدارتها للنظام في العراق، والإدارة الأمريكية الساعية إلى دعم عراق مستقر ومزدهر وديمقراطي وموحد يتوافق مع مصالحها، هما مَن يديران شؤون العراق من خلف الكواليس.
في المقابل وبعد أكثر من شهرين على تولي رئيس الدولة علي الزيدي لمنصبه، يبدو أن التنبؤ بحصول تغيرات ما زال أمراً بعيد المنال، إذا أخذنا بعين الاعتبار تزامن هذا التغير السياسي في العراق، مع حجم وخطورة التداعيات التي أحدثتها الحرب الأمريكية ـ الإيرانية على مستقبل المنطقة، التي لم تنته بعد، بانتظار الخروج باتفاق ومعاهدة سلام تضمن لدول المنطقة العيش بسلام بعيدا عن تدخل إيران في شؤون جيرانها، من خلال ما سمي بمصطلح «تصدير الثورة» وقلب موازين المجتمعات من خلال بث التفرقة والطائفية بين الشعوب.
وفي ظل هذه الإشكالية التي أحدثها هذا الانتظار، وحسم أمور الجانب الأمريكي لمستقبل العراق، لمعرفة الموقف القادم للجارة إيران، فيما يتعلق بنفودها الذي يرفضه العراقيين، تبدو مهمة رئيس الوزراء الجديد الهادفة الى تصحيح الأمور نحو مسار جديد، أمراً أشبه بالمستحيل، وإن كانت لديه الرغبة في ذلك في ظل دولة منقسمة، فشلت في توفير الأمن ومكافحة الفقر والبطالة، نتيجة سيطرة الأحزاب الطائفية الطامعة في النفوذ والثروة.
في المقابل، ومن غريب المفارقة، وفي الوقت الذي أبدت إدارة ترامب تفاؤلاً كبيراً بوصول الحكومة الجديدة، أبدى المسؤولون الإيرانيون على أملهم في استمرار «مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي»، واستمرار دعم إيران «للإطار التنسيقي» الذي أبدى بدوره ارتياحه بهذا التغيير الجديد.
وفي الوقت الذي تتشابك به خيوط مستقبل العراق مع جارته في الملف الإيراني ـ الأمريكي، وبانتظار نتائج التغير القادم الذي فرضته الحرب الأمريكية في سياسة قادة إيران الجدد، ترسم حالة الفساد والطائفية السياسية في العراق، صورة مؤلمة لواقع البلاد السياسي التائه في صراع حليفيه، أمريكا وإيران، في دولة فاشلة تدار من طبقة سياسية منقسمة في الإيمان والطائفة ومتراضية في تقاسم الفساد وسرقة ثروات العراقيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك