يُنقل بأنّه كتب على قصاصة ورقية عبّر فيها عن رأيه حول مشكلة ما وقعت في أروقة مؤسسته التعليمية العليا التي ينتظم في صفوف سنواتها الأخيرة، ففوجئ بأحد المسؤولين يمزقها أمام جمع من زملائه وزميلاته - حيث لم يكن وقع ذاك التمزيق عليه فعلا عابرا، بل كان لحظة حاسمة حولّت تلك الورقة إلى رمز ذي تأثير لا يغيب عن الذاكرة الطلابية - فشعر بالإهانة في بداية الأمر إلا أنّه لم يتراجع، بل كتب بالطباشير ذات الأفكار على حائط غرفة الدراسة، حتى تكررت وانتشرت تلك الأفكار.
ورغم محاولات طمسها وتكرار تمزيق كلماتها كلما كُتبت؛ قرّر فيها الطلاب بعدئذٍ وبإصرار مستميت على نسخها وتوزيعها سرًا، حتى تحولّت تلك الأفكار إلى رأي عام بينهم، بأنْ شكلّت دافعًا إضافيًا للتّمسك بالرأي الذي لا يعبأ بالتهديد ولا يكترث بالوعيد لإطفاء الفكرة، بل أضحت - في نهاية المطاف - جزءًا من هوية طلابية مُحرّكة ووثيقة تاريخية مُخلّدة.
ومُذ خلقه واستخلفه على وجه المعمورة لغرض إعمارها؛ أكرم ربّ العزّة والجلالة الإنسان بمزايا كثيرة كي يتمتع بها حفظًا لحياته، كما ألزمه بضوابط عديدة ليحترمها صونًا لكرامته وفق مقتضيات الفطرة التي تصون مصالح العباد – أفرادًا وجماعات – دون ضرر ولا ضرار.
لذلك الثبات الراسخ على الحقّ ولزوم الجادّة واتِّباع الصراط، من أبرز سمات حفظ الكرامة الإنسانية في زمن الابتلاءات الكثيرة والفتن المغرية التي تحول دون زعزعةٍ للنوايا المكبوتة أو زحزحةٍ في المواقف المشهودة في فضاءات انتشار الظلم والمظالم وغزو الأفكار المسمومة والثقافات الغادِرة التي حَيَدَتْ استجماع الأخلاق وآيات الحكم، واستجلبت نكوص الأعقاب وعكوف الأقاويل.
فاجعة الطف الأليمة التي وقعت في منطقة جغرافية محدودة واستمرت ثلاثة أيام متوالية واختتمت ظهيرة يوم العاشر من محرم الحرام سنة 61هـ (12 أكتوبر عام 680م)، لم تظهر كواحدة من أكثر الأحداث إيلامًا على الذاكرة الإسلامية فحسب، بل إنّها أحدثت وقعًا خالد الأثر في تاريخ البشرية مجتمعة.
بعدما جعلت كرامة الإنسان محور أخلاقياتها عبر رسائلها وتعاليمها التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، على سبيل صيانة الكرامة الرفيعة وتصحيح الأزمة الأخلاقية في المجتمع الإسلامي آنذاك.
وهذا ما تجلّى – قولًا وفعلًا - في ريادة إمام المسلمين الحُسين بن علي (ع) ومُشاحّته (أي حرصه ومطالبته وعدم تنازله) في تجسيد أسمى الشمائل وتمثيل أرفع المكارم التي صيّر فيها بنفسه الطاهرة الزّكية ساحة المعركة على أرض كربلاء “مَعْرَضًَا” للفضائل الحميدة والإلهام الأخلاقي في صنوف الشجاعة والصدق والعدالة والصبر والرحمة والتضحية؛ من أجل إيقاظ النفوس التالفة وإحياء القيم المنسّية وإظهار السلامة الأخلاقية واستنهاض الضمائر الميتة وإبراز الكرامة الإنسانية، وهو في صعب الأحوال وحالك الظروف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك